خلال القرون الماضية، آمن البشر بالعديد من النظريات الغريبة لتفسير الأمراض وتفشي الأوبئة وارتفاع الوفيات. ومن ضمن هذه النظريات، يذكر التاريخ أساساً نظرية الميازما (miasma) التي ظهرت قديماً وانتشرت في أوروبا والهند والصين. وبموجبها، آمن البشر بانتشار الأمراض وتفشيها بسبب ما أطلقوا عليه “الهواء الفاسد” أو “هواء الليل”.
حينها، اعتقد كثيرون أن اختلاط الهواء النقي بالجزيئات المنبعثة من تحلل المواد العضوية يتسبب في انتشار الأمراض وارتفاع الوفيات. كذلك، فسر البشر طريقة عمل جسم الإنسان ومرضه بـ”نظرية الأخلاط”، التي كانت من أغرب النظريات الطبية السائدة على مدار قرون عديدة. وقد عرفت هذه النظريات تراجعها وزوالها تدريجياً مع تطور العلوم الطبية واكتشاف الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض.
ظهور النظرية
ففي بلاد الإغريق، ما بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، سجلت نظرية الأخلاط بداية ظهورها. وبفضل كتابات أبقراط، الذي عاش ما بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، عرفت هذه النظرية انتشاراً واسعاً، إذ ساهم الرجل الملقب بـ”أبي الطب” في بلورتها بشكل واضح.
وحسب نظرية الأخلاط، ارتبطت طريقة عمل الجسم والصحة والأمراض بتوازن أربعة مكونات في جسم الإنسان، تمثلت في الدم والمخاط، أو البلغم، والصفراء والسوداء. كما ارتبط الدم بالقلب وكان ساخناً ورطباً، بينما ارتبط المخاط بالدماغ وكان بارداً ورطباً. وحينها، آمن كثيرون بأن المخ البشري مصنوع من المخاط، ولم يحددوا له وظيفة واضحة في الجسم، كما شكك البعض في اقتصار دوره على إفراز المخاط فقط.
وفي السياق نفسه، ارتبطت الصفراء بالكبد وكانت ساخنة وجافة، بينما ارتبطت السوداء بالطحال وكانت باردة وجافة.
فللحفاظ على صحة جيدة والابتعاد عن الأمراض، اعتقد البشر بضرورة الحفاظ على التوازن بين هذه المكونات في أجسامهم. ولهذا السبب، ظهرت بعض التقنيات الطبية خاصة في العصور الوسطى، مثل الفصد الذي لجأ الأطباء إلى تطبيقه من أجل سحب ما وصفوه بكميات زائدة من الدم في أجسام المرضى.
غالينوس والترويج لهذه النظرية
وخلال القرن الثاني الميلادي، عاد الطبيب الإغريقي جالينوس، الذي مارس الطب في الإمبراطورية الرومانية، إلى نظرية الأخلاط وطورها، وربطها بصفات جسدية وفيزيائية.
elخلال القرون التالية، هيمنت هذه النظرية، بفضل جالينوس، على عالم الطب في الإمبراطورية البيزنطية والعديد من المناطق الأوروبية الأخرى. وفي العصور الوسطى وعصر النهضة، ركزت أغلب الجامعات على تدريس نظريات جالينوس، لتجد بذلك نظرية الأخلاط نفسها ضمن أبرز ما كان يُدرّس.
وفي تلك الفترة، قدم الأطباء لمرضاهم علاجات مختلفة تركزت على تغيير نظام التغذية والنوم والأنشطة بهدف تعديل الأخلاط والحفاظ على صحة نفسية وجسدية جيدة، خاصة بعدما ربط جالينوس بين الأخلاط والمزاج.
زوال نظرية الأخلاط
وهيمنت نظرية الأخلاط على الطب لقرون عديدة قبل أن تعرف بداية نهايتها خلال القرن السابع عشر. ففي عام 1628، وصف الطبيب الإنجليزي وليام هارفي (William Harvey) الدورة الدموية بشكل واضح، واضعاً بذلك نظرية الأخلاط وأبحاث أبقراط وجالينوس على المحك. كذلك، شهدت الفترة نفسها تقدماً في علوم التشريح وظهور العدسات المكبرة التي ساهمت في مشاهدة الأجسام الدقيقة.
ثم في القرن التاسع عشر، ظهرت نظرية الخلية وتطورت بفضل العالمين الألمانيين ماتياس جاكوب شلايدن (Matthias Jakob Schleiden) وتيودور شوان (Theodor Schwann). وقد أكدت هذه النظرية أن الحيوانات والنباتات تتكون من مجموعة من الخلايا.
وفي الفترة نفسها، ساهم تقدم علم الأحياء الدقيقة، بفضل أبحاث روبرت كوخ ولويس باستور، في وضع حد لنظرية الأخلاط وترسيخ فهم علمي جديد للأمراض وأسبابها.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان ![]()
معرف النشر: MISC-250926-221

