عندما يبدأ اليوم بشكل سيئ ويتراجع التركيز، يميل البعض إلى لوم أنفسهم ومحاولة مضاعفة الجهد، انطلاقاً من اعتقاد شائع بأن الانضباط وقوة الإرادة كفيلان بتجاوز الخمول الذهني. لكن تقريراً نشرته مجلة Forbes الأميركية يشير إلى أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.
فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2026 ونُشرت في دورية Science Advances أن مستوى اليقظة الذهنية يتغير من يوم إلى آخر، وأن هذه التقلبات تنعكس مباشرة على قدرة الشخص على العمل وتحقيق أهدافه.
وتابع باحثون من جامعة تورنتو 184 طالباً جامعياً على مدى 12 أسبوعاً، وطُلب منهم يومياً أداء مهام قصيرة تقيس سرعة التفكير ودقته، إلى جانب وصف كيفية سير يومهم.
فيما أظهرت النتائج أن الطلاب، في الأيام التي تمتعوا فيها بدرجة أعلى من اليقظة والتركيز، وضعوا أهدافاً أكثر طموحاً وتمكنوا من إنجاز المزيد منها. في المقابل، واجهوا في الأيام التي تراجع فيها نشاطهم الذهني صعوبة حتى في أداء المهام الروتينية.
كما كشفت الدراسة أن الفارق بين أفضل أيام الشخص وأسوأها من حيث الإنتاجية قد يصل إلى نحو 80 دقيقة من العمل الفعلي.
الانضباط لا يمنع الأيام “الضعيفة”
ولم تقتصر هذه التقلبات على الأشخاص الأقل انضباطاً. فالطلاب الذين سجلوا مستويات مرتفعة في سمة “الضمير الحي”، المرتبطة بالانضباط الذاتي، وكذلك في القدرة على ضبط النفس، حققوا أداء أفضل في المتوسط، لكنهم تأثروا أيضاً في الأيام التي انخفض فيها نشاطهم الذهني.
فيما تشير هذه النتائج إلى أن التركيز لا يعتمد على السمات الشخصية وحدها، بل يتأثر أيضاً بظروف تتغير من يوم إلى آخر، ويمكن التحكم في بعضها.
في هذا السياق، يسلط الخبراء الضوء على 3 عادات رئيسية يمكن أن تساعد في الحفاظ على التركيز والأداء الذهني:
1. خصص ذروة تركيزك لأصعب المهام
تتغير قدرة الدماغ على التركيز على مدار اليوم نتيجة عوامل من بينها الساعة البيولوجية وتراكم “ضغط النوم”.
ومن الأخطاء الشائعة استهلاك الفترة التي يكون فيها النشاط الذهني في أعلى مستوياته في تصفح البريد الإلكتروني أو إنجاز الأعمال الإدارية البسيطة، باعتبارها نوعاً من “الإحماء”. وعند الانتقال لاحقاً إلى المهام التي تحتاج إلى التفكير النقدي والتركيز العميق، يكون جزء كبير من الطاقة الذهنية قد استُهلك.
لذلك، ينصح الخبراء بتخصيص الساعة الأولى من فترة التركيز لأكثر المهام تطلباً للجهد الذهني، قبل الانشغال بالبريد الإلكتروني أو الأعمال الروتينية. ولا تعني “الساعة الأولى” بالضرورة الصباح الباكر، وإنما الفترة المبكرة وفقاً للساعة البيولوجية لكل شخص.
2. اجعل النوم أولوية ثابتة
يؤدي نقص النوم إلى تراجع القدرة على التركيز، خصوصاً عند محاولة الحفاظ على الانتباه لمهمة واحدة لفترة طويلة.
وقد لا يدرك البعض حجم هذا التأثير، إذ يمكن للشخص أن يشعر بأنه في حالة جيدة نسبياً بعد ليلة من النوم السيئ، بينما يكشف أداؤه الذهني خلاف ذلك، مثل قراءة الفقرة نفسها مرات عدة من دون استيعاب محتواها.
وأظهرت دراسة تحليلية شاملة منشورة في دورية Psychological Bulletin أن حتى النقص البسيط في النوم يرتبط بزيادة القلق وتراجع الحالة المزاجية. ومع وجود ارتباط بين انخفاض المزاج وتراجع الأداء الإدراكي، يمكن أن يؤثر النوم السيئ في التركيز بأكثر من طريقة.
لذلك، ينصح الخبراء بالتعامل مع موعد النوم باعتباره التزاماً ثابتاً قدر الإمكان. فالسهر ساعة إضافية لإنجاز المزيد من العمل قد يأتي على حساب سرعة الأداء وكفاءته في اليوم التالي.
3. افصل ذهنك عن العمل بعد انتهائه
لا يقتصر التعافي من ضغوط العمل على مغادرة المكتب، وإنما يتطلب ما يُعرف بـ”الانفصال النفسي”، أي التوقف ذهنياً عن الانشغال بالمهام والمسؤوليات المهنية.
وكشفت دراسة نُشرت عام 2026 في دورية Applied Psychology أن الأشخاص يحتاجون إلى وقت أطول للانفصال ذهنياً عن العمل خلال الأمسيات التي تلي أيام العمل الشاقة والمجهدة.
لهذا يوصي الخبراء بوضع إطار زمني واضح لفترات العمل المكثف. فقد يكون العمل لساعات طويلة لبضعة أيام ضرورياً للوفاء بموعد نهائي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حالة الانشغال والاستنفار إلى نمط مفتوح بلا نهاية واضحة.
وعند انتهاء فترة الضغط، يصبح التوقف المتعمد عن التفكير في العمل جزءاً مهماً من عملية التعافي واستعادة القدرة على التركيز.
لا تحارب الخمول في كل مرة
وإلى جانب العادات الثلاث، يشدد الخبراء على أهمية المرونة في التعامل مع الأيام التي يتراجع فيها النشاط الذهني.
فإذا ظل التركيز منخفضاً رغم بذل الجهد، لا يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة في قدرات الشخص أو انضباطه. فالتقلب في مستويات اليقظة أمر طبيعي، وقد يكون من الأفضل في مثل هذه الأيام تخفيف الضغط على النفس.
ويمكن استغلال فترات النشاط المنخفض في إنجاز المهام الإدارية والأعمال البسيطة، مع تأجيل المهام التي تحتاج إلى تركيز ذهني مكثف إلى وقت تكون فيه الطاقة الذهنية أعلى.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 7
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-181026-669

