منوعات

أسبوع موسكو للموضة… الهوية روسية والرؤية معاصرة

73b2f435 5063 4936 8564 6decdfb4696b file.jpg

على مدى 6 أيام، استضافت العاصمة الروسية مؤخراً أكثر من 350 مصمماً من 24 منطقة روسية وأكثر من 10 دول؛ وذلك في أسبوع موسكو للموضة الذي امتدت فعالياته إلى مواقع ثقافية مختلفة، في مقدمتها مركز “مانيج” العريق ومتحف بوشكين للفنون الجميلة. وإلى جانب العروض، ضم برنامج هذا الأسبوع منصات تجارية للمصممين ومحاضرات مهنية ومهرجاناً للأفلام القصيرة المعنية بالموضة، في محاولة لربط الإبداع بالجانب التجاري والثقافي للصناعة.

التراث لإعادة الابتكار

شكل استحضار الذاكرة الثقافية أحد أبرز الخيوط التي جمعت عروضاً متباينة في أساليبها. وهي لم تقتصر على إعادة إنتاج الأزياء التقليدية، بل اتخذت أشكالاً أكثر تنوعاً، عبر توظيف الخامات والتطريزات والرموز التاريخية ضمن تصاميم تحمل توقيعاً معاصراً.

في هذا السياق، قدم المصمم الروسي إيغور غوليايف مجموعته “Legacy” في ختام الأسبوع. وهو استعاد في تصاميمها عناصراً من هويته القائمة على الخامات الغنية والحرفية والأحجام اللافتة، مع تخفيف بعض البنى التقليدية وإدخال تفاصيل شفافة وقصّات أكثر ليونة. وجاء العرض ليؤكد أن التراث يمكن أن يتحول إلى لغة تصميم متجددة، بدلاً من أن يبقى محصوراً في استعادة أشكال الماضي.

أما المصممة ألكسندرا سيروفا، فاختارت تاريخ أحد أشهر العطور في روسيا، “كراسنايا موسكفا” (موسكو الحمراء)، نقطة انطلاق لمجموعتها. وتناوبت في العرض الأزياء المفصلة والفساتين المسائية، مع استخدام الساتان والحرير والجلد وتطريزات نباتية تستحضر الباقة المرتبطة بتاريخ العطر. هنا، انتقلت الذاكرة من عالم الروائح إلى لغة الأزياء، في معالجة تربط الحنين إلى الماضي بتعبيرات أنثوية معاصرة.

بين المسرح والسينما

تحولت منصات موسكو في بعض العروض إلى امتداد للعالم الفني الذي استلهم منه المصممون مجموعاتهم.

قدمت دار Vereja عرض “Guardians of Reia” احتفالاً بمرور سبع سنوات على تأسيسها، في صيغة جمعت بين الأزياء والأداء الموسيقي والشخصيات المتخيلة، مستعيدة تصاميم أرشيفية إلى جانب ابتكارات جديدة. وبهذا، بدا العرض أقرب إلى عالم سردي متكامل، تتجاور فيه الموضة مع المسرح والفنون الأدائية.

وفي اتجاه مختلف، استلهمت دار Masterpeace مجموعتها “Silk of Time” من فيلم “In the Mood for Love” للمخرج وونغ كار واي. وظهرت تأثيرات الأزياء الآسيوية في الخطوط المستقيمة للكيمونو، وانسيابية الساري، والأحزمة التقليدية، ضمن تصاميم شملت الكورسيهات والتنانير القصيرة والسراويل المطرزة والبدلات المفصلة. أما الحرير والجاكار والبروكار، إلى جانب الفراء والريش، فمنحت المجموعة غناً وطابعاً درامياً.

ألوان وأحجام تكسر المألوف

كان لافتاً بروز نزعة واضحة نحو المبالغة المدروسة في اللون والحجم والتفاصيل خلال بعض العروض. فقدمت علامة Lil Lab مجموعة “Venus in Aquarius” بألوان الوردي السكري والأحمر القرمزي والأزرق والبنفسجي، مع طبعات حيوانية وكتابات بارزة، إلى جانب تنانير قصيرة ومعاطف من الفراء وأوشحة من الريش. وجاءت النتيجة احتفاءً بالتعبير الفردي، بعيداً عن الالتزام بلوحة لونية هادئة أو صورة واحدة للأناقة.

أما علامة Viva Vox، فاختارت الأسود محوراً لمجموعتها التي عُرضت في متحف بوشكين للفنون الجميلة. وتوزعت التصاميم بين المعاطف الواسعة والقطع الجلدية والبدلات الضيقة ومعاطف الترنش ذات الياقات المرتفعة، فيما خففت درجات البني الرملي والبيج من حدة المشهد. كما جمع العرض بين عناصر من أزياء السهرة والملابس اليومية، في مقاربة تمنح القطع ذات الطابع الدرامي قابلية أكبر للاستخدام.

حوار عالمي بين الثقافات

منحت المشاركة الدولية أسبوع موسكو للموضة بعداً يتجاوز المشهد الروسي، مع حضور مصممين من الصين وتركيا وإسبانيا والهند وكازاخستان وبيلاروسيا وسريلانكا وكينيا ونيكاراغوا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في عروض عكست تنوع المرجعيات الثقافية وأساليب تحويلها إلى لغة تصميم معاصرة. ومن بين المشاركين، قدمت العلامة الكينية KikoRomeo مجموعة”Interweaving Cultures”، التي جمعت الأقمشة المنسوجة يدوياً والقطن العضوي والزخارف المستوحاة من الثقافة الأفريقية، ضمن قصّات معاصرة شملت القمصان الفضفاضة والسراويل الواسعة والفساتين الانسيابية.

من الصين، قدمت علامة MOMIWEI مجموعة “Light Sequence”، التي جمعت الحرير الصيني التقليدي، بقصّات حديثة تستعيد بعض ملامح الأزياء الصينية ضمن خزانة معاصرة. أما المصمم الإسباني ميغيل لوبيس، فاستلهم مجموعته من تراث فالنسيا في صناعة المشدات والصدريات، وأعاد صياغة الخطوط الهندسية والتفاصيل التقليدية برؤية حديثة تركز على النسب والبنية.

ومن تركيا، اجتمع المصممان غوخان يافاس ومرات أيتولوم في عرض حمل عنوان “Armored Silence”، تنقلت فيه الألوان بين الأسود والرمادي الفحمي والأبيض، في معالجة اعتمدت الخطوط الواضحة والطابع البنيوي للتصاميم. كما شاركت العلامة البريطانية Black Crown Label، فيما قدمت المصممة بريزا هيرنانديز من نيكارغوا مجموعة “Bod E Gon”، المستوحاة من لوحات الطبيعة الصامتة التي كان والدها يرسمها، مستخدمة خامات وملامس وعناصر طبيعية.

وفي المقابل، أظهرت مجموعة “Within” للمصممة فيكتوريا أندريانوڤا كيف يمكن إعادة التفكير في قطع مألوفة من خزانة الملابس الروسية، مثل القميص الأبيض والمعطف والسترة المحشوة، عبر تغيير وظائفها وبنائها. وتحولت بعض القمصان إلى فساتين متعددة الطبقات، فيما ظهرت الزخارف المستوحاة من المنسوجات التقليدية على السترات، لتلتقي العملية بالتجريب في الملابس اليومية.

ولم تغب التكنولوجيا عن البرنامج؛ إذ أتاح مشروع غرفة القياس الافتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، استكشاف العلاقة بين الشخصيات المستوحاة من الحكايات الروسية والتصميم الرقمي، قبل انتقال بعض الأفكار إلى عروض فعلية. وفي موازاة ذلك، وفرت منصات البيع والعرض فرصاً للتواصل مع المشترين والجمهور، بما يربط حضور المصممين على المنصة بإمكانات تطوير أعمالهم.

مشهد يبحث عن صوته

تكشف حصيلة أسبوع موسكو للموضة عن مشهد لا يتحرك في اتجاه جمالي واحد؛ فبين استعادة التراث، واستلهام السينما، والمبالغة اللونية، وتطوير الملابس العملية، تتجاور رؤى متعددة تعكس اتساع قاعدة المصممين وتنوع مصادر إلهامهم.

وتكمن أهمية هذه الدورة في الجمع بين التعبير الإبداعي وبناء منظومة تدعم المواهب المحلية وتفتح المجال أمام العلامات الناشئة للوصول إلى الجمهور والمشترين. أما التحدي الأهم، فيبقى في تحويل هذا التنوع إلى حضور مستدام في سوق الموضة الدولية، عبر هوية تصميم واضحة وجودة تنفيذ وقدرة على المنافسة تتجاوز حدود الحدث نفسه.

وبينما تتجه عواصم الموضة إلى إعادة النظر في علاقتها بالتراث والتكنولوجيا والتعبير الفردي، قدمت موسكو صورتها الخاصة عن هذا الحوار؛ صورة لا تختزلها صيحة واحدة، بل ترسم معالمها مجموعة من المواهب التي تتعامل مع الماضي بوصفه مادة للابتكار، ومع المنصة بوصفها مساحة لاختبار مستقبل الموضة الروسية.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : العربية.نت – رانيا لوقا Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-291026-875

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 29 ثانية قراءة