ثقافة وفن

إنريكي فيلا ماتاس يعيد كتابة قواعد الرواية ويحصد جائزة إسبانيا الكبرى

50b5ac24 1fc5 423d a280 ba8805a00a06 file.jpeg

إنريكي فيلا ماتاس يعيد كتابة قواعد الرواية ويحصد جائزة إسبانيا الكبرى

حصد الكاتب الإسباني إنريكي فيلا ماتاس جائزة وطنية رفيعة تقديراً لمسيرة أدبية لم تتوقف عند حدود الرواية التقليدية، بل اتخذت من كسر القوالب ومساءلة الكتابة وإعادة تشكيل العلاقة بين الواقع والخيال منهجاً إبداعياً. وأعلنت وزارة الثقافة الإسبانية، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فوزه بالجائزة الوطنية للآداب الإسبانية لعام 2026، التي تبلغ قيمتها 50 ألف يورو، تقديراً لتأثيره في السرد المعاصر ومكانته في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية.

واستند قرار لجنة التحكيم إلى فرادة تجربته الشكلية، وصلتها بالتقاليد الأدبية التي أسهم خورخي لويس بورخيس وميغيل دي ثربانتس في ترسيخها، إلى جانب قدرته على تطوير أسلوب سردي تتداخل فيه الحكاية مع التأمل الفلسفي والسخرية والتجريب. ورأت اللجنة أن أعماله أعادت طرح أسئلة جوهرية حول هوية الكاتب، وحدود الرواية، والعلاقة بين الحقيقة والتخييل، ومصير الكتابة في العالم المعاصر.

إنريكي فيلا ماتاس.. من الصحافة إلى تجديد الرواية الإسبانية

ولد فيلا ماتاس في برشلونة عام 1948، ودرس الحقوق والصحافة قبل أن يبدأ حياته المهنية محرراً في مجلة “Fotogramas” السينمائية. ومع انتقاله إلى الكتابة الأدبية، أخذ يطور تجربة خاصة يصعب وضعها ضمن تصنيف واحد، إذ تتجاور في مؤلفاته الرواية والمقال واليوميات والسيرة، وتتحول الإحالات إلى كتّاب وفنانين آخرين إلى جزء أساسي من بناء النص.

واتسع انتشار أعماله خارج إسبانيا، بعدما تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة، ليصبح اسمه من الأسماء المؤثرة في السرد الأوروبي المعاصر. وتقوم تجربته على التعامل مع الأدب بوصفه حواراً مفتوحاً مع نصوص سابقة، لا مجرد حكايات مستقلة؛ فهو يستدعي شخصيات وأفكاراً من تاريخ الثقافة، ثم يعيد توظيفها داخل عوالم روائية تتداخل فيها الوقائع المتخيلة مع الأسماء الحقيقية.

حين تتحوّل الكتب إلى عوالم موازية

تقدم رواية “تاريخ مختصر للأدب المحمول” الصادرة عام 1985 مثالاً واضحاً على نزعة فيلا ماتاس إلى اللعب بالحدود بين الأدب والواقع؛ ففي هذا العمل ابتكر ما عُرف باسم “مؤامرة شاندي”، وهي جماعة سرية متخيلة تضم كتّاباً وفنانين، استوحى اسمها من رواية “تريسترام شاندي” للورنس ستيرن.

ووضع الكاتب لهذه الجماعة شروطاً ساخرة للانضمام إليها، أبرزها أن يكون العمل الأدبي قابلاً للاختزال إلى حجم صغير يمكن حمله، وأن يتمتع صاحبه بالاستقلال والاكتفاء الذاتي. ومن خلال هذا البناء، أدخل فيلا ماتاس شخصيات حقيقية من تاريخ الأدب والفن، بينها مارسيل دوشامب وفيديريكو غارسيا لوركا ووالتر بنيامين، في نسيج سردي يتعمد إرباك الفصل بين التاريخ والاختراع.

وفي رواية “باريس لا تنتهي” الصادرة عام 2003، عاد إلى سنوات شبابه في العاصمة الفرنسية، مستعيداً التجربة من خلال سرد تتداخل فيه الذاكرة مع إعادة تشكيل الماضي. أما “الدكتور باسافينتو” الصادرة عام 2005، فذهب فيها إلى منطقة أكثر تأملاً في علاقة الكاتب بهويته، مستلهماً تجربة الأديب السويسري روبرت فالزر، ومناقشاً فكرة الاختفاء والتخلي عن الذات بوصفهما احتمالين في حياة المبدع.

مشروع أدبي يمنح المهمشين مساحة في الذاكرة

في كتابه الأخير “قانون الغرفة المظلمة” الصادر عام 2025، اتجه فيلا ماتاس إلى مساءلة المعايير التي تحدد حضور الأسماء الأدبية في المشهد الثقافي، مقدماً تصوراً يحتفي بالمبدعين الذين ظلوا بعيداً عن مركز الاهتمام.

وتدور الفكرة حول شخصية تسعى إلى اختيار 71 عملاً لكتّاب مهمشين أو مستبعدين من دائرة الاعتراف الأدبي، في محاولة لإعادة النظر في مفهوم القيمة الأدبية ومن يملك حق تحديدها. ويواصل العمل بذلك انشغال الكاتب بالعلاقة بين الأدب ومؤسساته، وبالأصوات التي لا تجد مكاناً كافياً داخل القوائم والمرجعيات السائدة.

ولم تقتصر إسهامات فيلا ماتاس على الرواية؛ فقد أصدر مجموعات قصصية من بينها “انتحارات نموذجية” و”أبناء بلا أبناء”، إلى جانب كتب تجمع المقالات والتأملات واليوميات، مثل “المسافر الأكثر بطئاً” و”المدينة العصبية”. وتكشف هذه الإصدارات عن اهتمامه بتجريب أشكال مختلفة للكتابة، من دون التخلي عن السخرية والتأمل ومساءلة دور الأدب في الحياة اليومية.

جوائز دولية وترشيحات متكررة لنوبل

تُضاف الجائزة الوطنية للآداب الإسبانية إلى سجل طويل من التكريمات التي حصدها الكاتب خلال مسيرته؛ فقد نال جائزة “ميديسيس” الفرنسية للأدب الأجنبي عام 2003 عن رواية “علّة مونتانو”، كما حصل على جائزة الأكاديمية الملكية الإسبانية عام 2006 عن “الدكتور باسافينتو”، إلى جانب جائزة فورمينتور للآداب عام 2014.

وارتبط اسمه أيضاً بترشيحات متكررة لجائزة نوبل للآداب، وهو ما تعامل معه بروح ساخرة تنسجم مع نظرته إلى الكتابة بوصفها مساحة للعب والتجريب، لا سباقاً نحو الألقاب. ويبدو هذا التصور حاضراً في مجمل تجربته؛ فحتى عندما يتعامل مع قضايا الهوية والغياب والذاكرة، يترك مساحة للمفارقة والفكاهة، ويمنح القارئ دوراً في اكتشاف المعنى بدلاً من تقديمه بصورة مباشرة.

وبهذا التكريم، ينضم إنريكي فيلا ماتاس إلى قائمة من أبرز الأسماء التي نالت الجائزة الوطنية للآداب الإسبانية، من بينها خوان غويتيسولو وروسا مونتيرو وميغيل ديليبيس وآنا ماريا ماتوت وفرانسيسكو أومبرال، مواصلاً حضوراً أدبياً يقوم على تحدي المألوف وإعادة اختبار إمكانات الرواية.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
معرف النشر : CULT-311026-521

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 35 ثانية قراءة