تراجُع المواليد المواطنين إلى 29.9 ألف مولود عام 2024
كشفت إحصاءات رسمية صادرة عن وزارة الصحة ووقاية المجتمع، عن تراجع أعداد المواليد المواطنين في الدولة بنسبة 7.52%، خلال أربع سنوات، في الفترة من 2021 إلى 2024، بانخفاض بلغ 2385 مولوداً، إذ تراجع عددهم من 31 ألفاً و732 مولوداً في عام 2021، إلى 29 ألفاً و347 مولوداً في عام 2024.
وأظهرت البيانات، التي اطلعت عليها «الإمارات اليوم»، ارتفاع إجمالي أعداد المواليد في الدولة (المواطنون والمقيمون) بنسبة 15.24% خلال الفترة نفسها، بزيادة بلغت 14 ألفاً و138 مولوداً، ليصل إلى 106 آلاف و915 مولوداً عام 2024، مقارنة بـ92 ألفاً و777 مولوداً في عام 2021.
وأشارت البيانات الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء إلى أن معدل الخصوبة الكلي للمواطنين في الدولة سجل انخفاضاً ملحوظاً خلال الأعــوام 2021 -2023 حیث بلــغ 2.9 طفـل لكـل امـرأة فـي عـام 2023 وبلـغ 3.1 أطفال لكـل امـرأة فـي 2022 فـي حین بلغ في عام 2021 3.2 أطفال لكل امرأة.
وأكد مختصون أن مفهوم الأسرة شهد تحولاً في طبيعة التوقعات المرتبطة بها، إذ أصبح بعض الأزواج يعتبرون الإنجاب «مشروعاً» يحتاج إلى تخطيط دقيق واستعداد نفسي وموارد مالية ووقت كافٍ، ما قد يجعل انتظار «الجاهزية الكاملة» مصدر قلق لتأجيل الإنجاب.
وربط مختصون هذا التراجع بعوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية متداخلة، تشمل «تأخر سن الزواج والإنجاب، والسعي إلى تحقيق الاستقرار المهني والمالي قبل تكوين الأسرة، وارتفاع تكاليف تأسيس الأسرة والمعيشة والسكن ورعاية الأطفال، والرغبة عند البعض في الاكتفاء بطفل أو طفلين، والخوف من عدم القدرة على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية، والخلافات الزوجية وضعف المساندة الأسرية، والتأثر بما يعرض على وسائل التواصل الاجتماعي من رحلات وتجارب عائلية وأنشطة ومزايا مكلفة في تشكيل صورة مثالية عن الأبوة والأمومة، والشعور بالحاجة إلى موارد أكبر مما يحتاج إليه الطفل فعلياً للنمو في بيئة صحية».
وفي هذا الإطار، حدد أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي مجموعة تحديات تواجه تراجع معدلات الخصوبة والمواليد المواطنين، تشمل التحديات الوظيفية والأسرية، مثل صعوبة التوفيق بين العمل ومسؤوليات الأسرة وضعف المرونة في ساعات العمل والمزايا المرتبطة بالأمومة، والتحديات الاقتصادية والصحية، متمثلة في ارتفاع تكاليف الزواج والمعيشة وعلاج العقم والإخصاب، ومحدودية التغطية التأمينية وخدمات الإخصاب في بعض المناطق إلى جانب التحديات الاجتماعية والثقافية، المرتبطة بتأخر سن الزواج والإنجاب، وعزوف بعض الشباب عن الزواج والإنجاب، والتحوّل من نمط الأسرة الممتدة إلى الأسرة الصغيرة، وتراجع الرغبة في إنجاب عدد أكبر من الأبناء.
واقترحوا حلولاً تدعم امتداد واستقرار الأسرة، أبرزها توسيع التغطية التأمينية للمواطنين لتشمل خدمات علاج العقم والإخصاب في المراكز الخاصة المعتمدة، وإنشاء مركز اتحادي متخصص للإخصاب يخدم المناطق الشمالية.
تقارير إحصائية
وتفصيلاً، أظهر تقرير بيانات المواليد في الدولة، الصادر عن وزارة الصحة ووقاية المجتمع، تراجعاً متواصلاً في أعداد المواليد المواطنين خلال الأعوام الأربعة محل الرصد، مقابل ارتفاع إجمالي أعداد المواليد في الدولة، بما يشمل المواطنين والمقيمين.
وكشفت البيانات انخفاض عدد المواليد المواطنين من 31 ألفاً و732 مولوداً في عام 2021 إلى 29 ألفاً و347 مولوداً في عام 2024، في حين سجل إجمالي المواليد في الدولة ارتفاعاً من 92 ألفاً و777 مولوداً إلى 106 آلاف و915 مولوداً خلال الفترة نفسها. ويُظهر التسلسل الزمني للبيانات أن أعداد المواليد المواطنين بلغت أعلى مستوياتها خلال الفترة المحددة في عام 2021، مسجلة 31 ألفاً و732 مولوداً، قبل أن تتراجع إلى 30 ألفاً و889 مولوداً في عام 2022، ثم إلى 29 ألفاً و926 مولوداً في عام 2023، وصولاً إلى 29 ألفاً و347 مولوداً في عام 2024.
وخلال بداية فترة الرصد، بلغ إجمالي المواليد في الدولة خلال عام 2021 نحو 92 ألفاً و777 مولوداً، منهم 31 ألفاً و732 مواطناً، وتصدرت إمارة أبوظبي أعداد المواليد بإجمالي 36 ألفاً و402 مولود، منهم 17 ألفاً و143 مواطناً، تلتها إمارة دبي بإجمالي 31 ألفاً و477 مولوداً، منهم 6487 مواطناً، ثم إمارة الشارقة بإجمالي 11 ألفاً و119 مولوداً، منهم 3029 مواطناً، وبلغ إجمالي المواليد في إمارة عجمان 6738 مولوداً، منهم 622 مواطناً، وفي رأس الخيمة 3214 مولوداً، منهم 1909 مواطنين، وفي الفجيرة 2632 مولوداً، منهم 1724 مواطناً، فيما سجلت أم القيوين 1195 مولوداً، منهم 818 مواطناً.
وفي عام 2022، ارتفع إجمالي المواليد في الدولة إلى 96 ألفاً و631 مولوداً، بزيادة 4.15%، في حين تراجع عدد المواليد المواطنين إلى 30 ألفاً و889 مولوداً، بانخفاض 2.66%، وتصدرت أبوظبي أعداد المواليد بإجمالي 36 ألفاً و923 مولوداً، منهم 16 ألفاً و303 مواطنين، تلتها دبي بإجمالي 34 ألفاً و56 مولوداً، منهم 7041 مواطناً، ثم الشارقة بإجمالي 12 ألفاً و484 مولوداً، منهم 2843 مواطناً، وسجلت عجمان 6275 مولوداً، منهم 583 مواطناً، ورأس الخيمة 2951 مولوداً، منهم 1531 مواطناً، والفجيرة 2661 مولوداً، منهم 1645 مواطناً، فيما بلغ إجمالي المواليد في أم القيوين 1281 مولوداً، منهم 943 مواطناً.
وفي عام 2023، ارتفع إجمالي المواليد في الدولة إلى 101 ألف و88 مولوداً، بزيادة 4.61%، بينما تراجع عدد المواليد المواطنين إلى 29 ألفاً و926 مولوداً، بانخفاض 3.12%، وحافظت أبوظبي على المرتبة الأولى بإجمالي 37 ألفاً و631 مولوداً، منهم 15 ألفاً و770 مواطناً، تلتها دبي بإجمالي 36 ألفاً و300 مولود، منهم 7109 مواطنين، ثم الشارقة بإجمالي 14 ألفاً و42 مولوداً، منهم 2641 مواطناً، وبلغ عدد المواليد في عجمان 5915 مولوداً، منهم 480 مواطناً، وفي رأس الخيمة 3170 مولوداً، منهم 1519 مواطناً، وفي الفجيرة 2780 مولوداً، منهم 1559 مواطناً، فيما سجلت أم القيوين 1250 مولوداً، منهم 848 مواطناً.
وفي عام 2024، ارتفع إجمالي المواليد في الدولة إلى 106 آلاف و915 مولوداً، بزيادة 5.76%، فيما انخفض عدد المواليد المواطنين إلى 29 ألفاً و347 مولوداً، بتراجع 1.93%. وتصدرت أبوظبي أعداد المواليد بإجمالي 39 ألفاً و333 مولوداً، منهم 15 ألفاً و628 مواطناً، تلتها دبي بإجمالي 37 ألفاً و834 مولوداً، منهم 7126 مواطناً، ثم الشارقة بإجمالي 15 ألفاً و242 مولوداً، منهم 2549 مواطناً، وسجلت عجمان 7045 مولوداً، منهم 410 مواطنين، ورأس الخيمة 3223 مولوداً، منهم 1341 مواطناً، والفجيرة 2904 مواليد، منهم 1544 مواطناً، فيما بلغ إجمالي المواليد في أم القيوين 1334 مولوداً، منهم 749 مواطناً.
تغيرات اجتماعية
وقالت استشارية الصحة النفسية والخبيرة التربوية الأسرية، الدكتورة هالة إبراهيم الأبلم، إن تراجع أعداد المواليد المواطنين مؤشر يستحق الدراسة والتدخل المبكر، لكنه لا يكفي وحده للحكم بأن الرغبة في الإنجاب تراجعت بالنسبة نفسها، إذ تتأثر أعداد المواليد بعوامل عدة، منها عدد الزيجات، وأعمار الزوجين، وتوقيت الإنجاب، وعدد النساء في سن الإنجاب.
وأوضحت أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم الأسرة وأولويات الأزواج، في ظل امتداد سنوات التعليم والسعي إلى الاستقرار المهني والمالي قبل الزواج والإنجاب، وارتفاع توقعات تأسيس الأسرة، واشتراط توفير المسكن والتجهيزات ومستوى معيشي مرتفع منذ البداية، إلى جانب تغير تصور المسؤولية الوالدية، إذ أصبح بعض الأزواج يربطون الإنجاب بقدرتهم على توفير الوقت والاهتمام والتعليم النوعي لكل طفل، فضلاً عن تراجع المساندة اليومية عند السكن بعيداً عن الأهل.
وأضافت أن تأخر الزواج وتكاليف تأسيس الأسرة من العوامل التي قد تتراكم وتؤثر في قرار الإنجاب، إذ تؤدي الالتزامات المالية والأقساط والديون إلى تأجيله لحين الشعور بالأمان المالي، كما أن توقع تكاليف الحضانة والتعليم والرعاية مستقبلاً قد يؤثر في القرار.
وأشارت إلى أنه لا يمكن تأكيد انتشار توجه الأزواج الجدد نحو الاكتفاء بطفل أو طفلين بين المواطنين دون مسح محلي ممثل، مؤكدة أهمية التمييز بين عدد الأبناء الذي يرغب فيه الزوجان، والعدد الذي تسمح ظروفهما بتحقيقه، محددة مجموعة أسباب لاكتفاء الزوجين بطفل أو طفلين، تشمل «الرغبة في تركيز الموارد والوقت والاهتمام على عدد محدود من الأبناء، وصعوبة التوفيق بين ساعات العمل ومتطلبات الرعاية اليومية، والإرهاق الناتج عن تجربة الطفل الأول وضعف المساندة، والاعتقاد بأن التربية الجيدة تتطلب إنفاقاً مرتفعاً وتوفير جميع الكماليات، إضافة إلى أسباب صحية خاصة قد لا تكون ظاهرة للمحيطين بالزوجين».
وأكدت أن الخلافات الزوجية وضعف التوافق وغياب الاتفاق على تقاسم المسؤوليات قد تجعل قرار الإنجاب أكثر صعوبة، إذ يرتبط هذا القرار بالشعور بالأمان والثقة بالشريك والقدرة على تحمّل المسؤولية.
واقترحت توفير بيئات عمل مساندة للوالدين وترتيبات مرنة تتناسب مع طبيعة الوظائف، وتيسير الاستفادة من إجازات الوالدية، إلى جانب التأهيل العملي قبل الزواج وبعده، بما يشمل إدارة الميزانية وحلّ الخلافات وتقاسم مسؤوليات المنزل والأبناء، كما دعت أيضاً إلى تعزيز مشاركة الأب في الرعاية والتربية واتخاذ القرارات اليومية، وتوفير الإرشاد الوالدي والدعم النفسي والأسري خلال تجربة الطفل الأول، وتصحيح صورة الأسرة المثالية وترسيخ أن التربية الجيدة تقوم على الأمان والعلاقة والقدوة، ولا تتطلب توفير جميع الكماليات، كما اقترحت إجراء دراسات دورية تقيس العدد المرغوب فيه من الأبناء وأسباب تأجيل الإنجاب والعوائق الفعلية.
دراسة
وقال المستشار الموجه الاجتماعي، الدكتور أحمد البركاني: «إن تراجع أعداد المواليد المواطنين مؤشر يستحق الدراسة، والتمييز إحصائياً بين عدد المواليد ومعدل الخصوبة، فتراجع العدد لا يعني تلقائياً أن خصوبة الأسرة انخفضت بالنسبة نفسها، ولفهم الصورة بدقة، نحتاج إلى معرفة عدد النساء المواطنات في سن الإنجاب، وتوزيعهن العمري، ومعدلات الإنجاب بحسب الفئة العمرية، إلى جانب متابعة البيانات على مدى سنوات متعددة».
وأوضح أن التعامل مع تراجع أعداد المواليد المواطنين يبدأ ببيانات تفصيلية ومستمرة، ثم بإجراءات تساند الأسرة في قراراتها، مثل تعزيز خيارات السكن الملائم، ورعاية الأطفال، وتوسيع ترتيبات العمل المرنة، ودعم التوازن بين العمل والحياة الأسرية، وتسهيل الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، بهدف تهيئة بيئة تساعد الأسر الراغبة في الإنجاب، مع احترام خياراتها وظروفها، كما أن قياس أثر المبادرات بانتظام يساعد على معرفة ما ينجح فعلاً وتطويره.
تحدٍّ مجتمعي
وقالت عضو المجلس الوطني الاتحادي رئيسة لجنة الشؤون الصحية والبيئية بالمجلس، الدكتورة سدرة راشد المنصوري، إن استمرار تراجع معدلات الخصوبة والمواليد المواطنين يُمثل تحدياً مجتمعياً طويل الأمد، يستدعي تضافر الجهود وتبني سياسات فاعلة تعزز استقرار الأسرة وتدعم قرار الإنجاب، من خلال فهم أعمق للعوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في هذا الاتجاه، وأضافت: «إن التقارير الصادرة عن المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية تشير إلى ارتباط المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية بتراجع معدلات الخصوبة وعدد الأبناء، إضافة إلى صعوبة التوفيق بين متطلبات العمل ومسؤوليات الأسرة، وتُعد الأم العاملة من العوامل التي قد تؤثر في قرار الإنجاب»، مشيرة إلى أن الأعباء المترتبة على مسؤوليات الأمومة ورعاية الأبناء تستدعي إعادة النظر في أنماط العمل التقليدية ومدى ملاءمتها لاحتياجات الأسرة.
واقترحت المنصوري دراسة تقليص ساعات العمل للأم العاملة، والتوسّع في خيارات المرونة الوظيفية، إلى جانب مراجعة المزايا المرتبطة بالأمومة، بما في ذلك إمكانية تمديد فترة ساعة الرضاعة إلى ما بعد السنة الأولى، وفق ضوابط ومعايير واضحة تراعي احتياجات الأم والأسرة ومتطلبات العمل، موضحة أن تعزيز مشاركة المرأة الاقتصادية لا يتعارض مع دعم استقرار الأسرة، إنما يتطلب إجراءات تتيح لها الموازنة بين طموحها المهني ومسؤولياتها الأسرية، دون الاضطرار إلى الاختيار بينهما، مؤكدة أن الاستثمار في تعليم المرأة وتأهيلها ينبغي أن يترافق مع توفير بيئة عمل تساعدها على استثمار قدراتها ومواصلة تقدمها المهني.
حوافز إنجابية
وأكد عضو المجلس الوطني الاتحادي، المستشار سلطان بن يعقوب الزعابي، أن الدولة قدمت الكثير من المبادرات لدعم الزواج واستقرار الأسرة المواطنة، من بينها منح الزواج وبرامج الإسكان والأعراس الجماعية، ما عزز الاستقرار الأسري والمجتمعي.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات الرواتب يشكلان تحدياً أمام الأسر الراغبة في إنجاب المزيد من الأبناء، متسائلاً: كيف يمكن للمواطن أن يعيل أربعة أو خمسة أو ستة أبناء في ظل هذه المتغيرات؟
واقترح الزعابي استحداث حوافز تشجيعية تصاعدية، تتناسب مع زيادة عدد الأبناء، بما يشجع على الإنجاب ويسهم في تخفيف الأعباء المالية عن الأسر المواطنة.
وقال: «إن القلق بشأن القدرة على إعالة الأبناء وتأمين مستقبلهم قد يدفع بعض الأسر إلى الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال، ما يجعل تعزيز الاستقرار المالي للأسرة أحد العوامل المهمة في معالجة تراجع أعداد المواليد»، منوهاً بوجود عوامل أخرى تستحق الاهتمام، من بينها أهمية قرب المساكن من الأهل، لما لذلك من دور في تعزيز الترابط الأسري وتخفيف أعباء رعاية الأبناء، خصوصاً عن الأمهات العاملات، بما يساعد على تهيئة بيئة أسرية أكثر تشجيعاً على الإنجاب. وأكد أن تشجيع الإنجاب يتطلب تعزيز الدعم للأسرة بما يتناسب مع عدد أبنائها واحتياجاتهم، ويعزز ثقتها واطمئنانها إلى مستقبلهم.
مبادرات وبرامج
واقترحت عضو المجلس الوطني الاتحادي، ناعمة الشرهان، وضع استراتيجية موحدة لتعزيز معدلات الإنجاب، تجمع المبادرات والبرامج التي تنفذها الجهات الحكومية والمحلية ضمن مظلة وطنية متكاملة، بما يضمن تنسيق الجهود وتوحيد الأهداف في دعم الأسرة الإماراتية وتشجيع الإنجاب، ومواجهة التحديات المرتبطة بتراجع أعداد المواليد، مؤكدة أن الأسرة هي محور اهتمام القيادة الرشيدة وأولوية قصوى لها، وتُشكل الأساس في بناء الدولة واستدامة إنجازاتها، وأن الأبناء هم من يحملون راية المستقبل، وأن تراجع حجم الأسرة إلى طفل أو طفلين يستدعي تعزيز الوعي بأهمية الأسرة الممتدة، ودورها في دعم التوازن السكاني والحفاظ على استقرار المجتمع والهوية الوطنية.
وأوضحت الشرهان أن تعزيز معدلات الإنجاب يتطلب الوقوف على أسباب عزوف فئة ليست قليلة من الشباب عن الزواج، والعمل على تذليل الصعوبات التي تواجههم، واستكمال مبادرات تيسير الزواج، مثل الأعراس الجماعية التي تنظم في مختلف إمارات الدولة، ببرامج تستهدف دعم الأسر بعد الزواج وتشجيعها على الإنجاب، وتوفير حوافز ومزايا للأسر التي لديها أربعة أو خمسة أبناء، بما يشجع على تكوين أسر أكبر ويعزز استقرارها.
وقالت: «إن الدولة أصبحت في صدارة الدول في تمكين المرأة وإطلاق المبادرات الداعمة لها، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تشجيع الإنجاب، من خلال تهيئة بيئة عمل تراعي مسؤولياتها الأسرية وتخفف التحديات التي قد تؤثر في قرار الإنجاب، إلى جانب الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية في هذا المجال».
خدمات الإخصاب
من جانبها، أكدت عضو المجلس الوطني الاتحادي، سمية عبدالله السويدي، أهمية تعزيز معدلات الإنجاب بين المواطنين لدورها في دعم استقرار الأسرة والمجتمع والحفاظ على التوازن السكاني والهوية الوطنية، مشيرة إلى أن معدل الخصوبة الكلي لدى المواطنين سجل تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات التسع الماضية، ليصل إلى 2.9 طفل لكل امرأة، وفق البيانات والإحصاءات، ما يستدعي تكثيف الجهود لمعالجة التحديات المؤثرة في الصحة الإنجابية.
وأوضحت أن من أبرز هذه التحديات هو ارتفاع تكاليف العلاج التي قد تتجاوز 45 ألف درهم للدورة العلاجية الواحدة في بعض الحالات، فضلاً عن محدودية التغطية التأمينية لخدمات علاج العقم والإخصاب، ما يُشكل عبئاً مالياً ونفسياً وجسدياً على الأسر، خصوصاً أن رحلة العلاج قد تستغرق أشهراً أو تمتد لسنوات، وقد تؤثر في استقرار بعض الأسر وتؤدي إلى الانفصال والطلاق.
وأكدت أهمية توسيع النطاق الجغرافي والخدمات للمراكز المتخصصة في الإخصاب لتسهيل الوصول إليها، مقترحة إنشاء مركز اتحادي متخصص في الإخصاب وعلاج العقم في الإمارات الشمالية، وفق معايير عالمية وأنظمة مختبرية متطورة، بما يعزز فرص نجاح العلاج ويخفف الأعباء المالية عن الأسر التي تضطر إلى تلقيه خارج الدولة، ويحدّ من النفقات التي تتحملها الدولة في هذا المجال.
ولفتت إلى أن الأطباء الاستشاريين المتخصصين أكدوا وجود تأثير مباشر للمتغيرات الصحية وانتشار أمراض العصر في معدلات العقم والإنجاب، ومن أبرزها الأمراض المزمنة كالضغط والسكري، والتدخين، واضطرابات الغدة الدرقية، والأمراض المناعية والهرمونية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الخبيثة.
وأكدت أن التوسّع في إنشاء مراكز للإخصاب يُمثل ضرورة صحية واستثماراً مهماً في تعزيز معدلات الإنجاب وتحقيق التوازن السكاني، مع أهمية اتخاذ تدابير عاجلة إلى حين إنشائه، وفي مقدمتها توسيع مظلة التأمين الصحي للمواطنين لتشمل خدمات الإخصاب في المراكز الخاصة المعتمدة، خصوصاً في الإمارات الشمالية، بما يضمن حصول الأسر على العلاج من دون تأخير أو تحمل أعباء مالية تفوق قدرتها.
مجالس محلية
وأكدت عضو المجلس الوطني الاتحادي، فاطمة علي المهيري، أن المجالس المحلية والمجتمعية تُمثل ركيزة مهمة في ترسيخ القيم الوطنية وتوجيه السلوك المجتمعي، لما تؤديه من دور مباشر في التواصل مع الأسر والتفاعل مع احتياجاتها، مشيرة إلى أن تمكين هذه المجالس من الإسهام في دعم توجهات الدولة الرامية إلى تعزيز ثقافة الإنجاب الإيجابي والمسؤول، ضمن الإطار القيمي والاجتماعي لدولة الإمارات، يُشكل خطوة مهمة في دعم الاستقرار الأسري وتعزيز معدلات الإنجاب، في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة.
وقالت إن تعزيز مفهوم الإنجاب الإيجابي والمسؤول هو نهج راسخ لدى القيادة الرشيدة ويعمل على تحقيق توازن بين التخطيط الأسري والاستقرار الاجتماعي، ويعزز التكامل بين مسؤوليات الدولة والمجتمع، بما يدعم التماسك الأسري ويواكب متغيرات العصر، وأضافت أننا نشيد بكل الجهود من خلال تضافر المؤسسات الحكومية من أجل التأثير الإيجابي والمستدام في الأسر والأجيال.
أعضاء بـ«الوطني»:
• إنشاء مركز للإخصاب وحوافز ومزايا للأمهات.. من حلول دعم الإنجاب وامتداد الأسرة.
مختصون:
• «وسائل التواصل» أسهمت في تشكيل صورة مثالية عن الأبوة والأمومة، من خلال عرض رحلات وتجارب عائلية وأنشطة ومزايا مكلفة.
تراجُع المواليد المواطنين مؤشر يستحق الدراسة
الدكتور جاسم المرزوقي: بعض الأزواج ينظرون إلى الإنجاب باعتباره «مشروعاً» يحتاج إلى تخطيط دقيق، واستعداد نفسي، وموارد مالية، ووقت كافٍ.
قال استشاري العلاج النفسي والأسري والزواجي مستشار جمعية النهضة النسائية في دبي، الدكتور جاسم محمد المرزوقي، إن تراجع أعداد المواليد المواطنين مؤشر يستحق الدراسة المتأنية، لارتباطه بمستقبل الأسرة الإماراتية واستدامة نموها، مشدداً على ضرورة التمييز بين عدد المواليد خلال سنة معينة، ومتوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال حياتها الإنجابية، ونسبة الأزواج الذين يقررون تأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بعدد معين من الأبناء، باعتبارها مؤشرات مختلفة تتطلب دراسة متكاملة.
وقال: «إن مفهوم الأسرة شهد تحولاً في طبيعة التوقعات المرتبطة بها، إذ أصبح بعض الأزواج ينظرون إلى الإنجاب باعتباره (مشروعاً) يحتاج إلى تخطيط دقيق، واستعداد نفسي، وموارد مالية، ووقت كافٍ، ولم يعد التفكير مقتصراً على إنجاب الطفل، بل امتد إلى نوعية تعليمه ورعايته الصحية واحتياجاته النفسية وفرصه المستقبلية، وهو ما قد يتحوّل إلى مصدر للقلق إذا اعتقد الزوجان أنهما مطالبان بتوفير أفضل الظروف الممكنة في جميع المجالات قبل الإنجاب».
وأشار إلى أن قرار الإنجاب لا يتشكّل بناءً على الرغبة وحدها، وإنما من خلال التفاعل بين الرغبة والقدرة المتصورة على تحمل المسؤولية، محدداً مجموعة عوامل نفسية قد تدفع بعض الأزواج إلى تأجيل الإنجاب أبرزها القلق من المستقبل، والخوف من تكرار التجارب الأسرية السلبية التي عاشوها خلال طفولتهم، والكمالية الوالدية، أي الاعتقاد بضرورة توافر جميع الظروف المثالية قبل استقبال طفل جديد، فضلاً عن الخوف من تغير الهوية الشخصية وفقدان الحرية والوقت الخاص والطموحات المهنية والاجتماعية، والتجارب الصعبة السابقة في الحمل والولادة أو فقدان الحمل، وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل صورة مثالية عن الأبوة والأمومة، من خلال عرض رحلات وتجارب عائلية وأنشطة ومزايا مكلفة، ما يدفع بعض الآباء والأمهات إلى مقارنة حياتهم اليومية بهذه الصور والشعور بالحاجة إلى موارد أكبر مما يحتاج إليه الطفل فعلياً للنمو في بيئة صحية.
مشكلات رئيسة
رصد تقرير برلماني صادر عن لجنة الشؤون الصحية والبيئة في المجلس الوطني الاتحادي، حول «تعزيز معدلات الإنجاب في الدولة»، أن غیـاب إجراءات موحـدة وشـاملة لتعزیـز معـدل الإنجـاب قد ينتج عنه مشكلات رئیسة عدة، منها تشــتت الجھــود وتــداخل الصــلاحیات بــین الجھــات الحكومیــة الاتحادیــة والمحلیــة، وغياب رؤیــة شــاملة لمعالجــة تحــدیات الإنجــاب والأســرة، حیــث تركــز بعــض المبــادرات علــى جوانــب معینــة وتغفــل أخــرى مھمــة؛ فبینمــا تركــز بعــض المبــادرات علــى الــدعم المــادي قـد تغفـل جوانـب أخـرى مھمـة مثـل التوعیـة بأھمیـة الإنجـاب أو معالجة التحدیات الصحیة المرتبطة بالخصوبة، إضافة إلى صعوبة قیــاس أثــر البــرامج المختلفــة في معــدلات الإنجــاب بدقــة، لعدم وجود مؤشرات أداء موحدة على مستوى الدولة.
وأشار التقرير إلى أن المعتقــدات الثقافیــة، ومســتوى التعلــیم، ودور المــرأة فــي المجتمــع، تسهم فــي تشــكیل التصــور حــول الحجــم المثالي للأسرة، ما أدى إلى انتقال المجتمع الإماراتي من نمط الأسرة الممتدة إلى نمط الأسرة الصغيرة، إضافة إلى التغيرات في القيم الاجتماعية والثقافية الحديثة التي تركّز على تحقيق الذات والحرية الشخصية، وما نتج عنها من تأخر الزواج والإنجاب وانخفاض الدافع لدى الأفراد في إنجاب الأطفال.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : عمرو بيومي وعماد الدين خليل – أبوظبي ودبي
معرف النشر: AE-081126-184

