إقتصاد

كيف تخلفت المدن الأمريكية عن نظيراتها العالمية في النقل العام؟

180609e0 bf8d 4a53 976d 4e7cf9968d1e file.jpg

كيف تخلفت المدن الأمريكية عن نظيراتها العالمية في النقل العام؟

تُعدّ محطة القطار الوحيدة في هيوستن، رابع أكبر مدينة في الولايات المتحدة، محطة متواضعة تصلها قطارات بين المدن 3 مرات فقط أسبوعيًا، رغم أن المنطقة الحضرية تضم نحو 7 ملايين نسمة، ما يظهر تراجع النقل العام في المدن الأمريكية المعتمدة على السيارات مقارنة بمدن عالمية تمتلك شبكات نقل عام واسعة و فعّالة.

اتسعت الفجوة الآن، لدرجة أن تقريرا حديثا وجد أن رفع مستوى النقل العام في المدن الأمريكية الكبرى إلى مستوى “عالمي” سيكلف مبلغا هائلا قدره 4.6 تريليون دولار، يشمل إنشاء 7500 ميل من البنية التحتية الجديدة المخصصة للقطارات والحافلات على مدى السنوات العشرين المقبلة.

تتخلف المدن الأمريكية بشكل ملحوظ مقارنةً بالمدن الرائدة عالميا مثل سيدني وهونج كونج وبرشلونة، وذلك استنادا إلى عدد وسائل النقل العام لكل 100 ألف نسمة، وفقا لدراسة أجرتها منظمة النقل من أجل أمريكا. عالميًا، يُساهم قطاع النقل بنحو ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وقد تضاعفت انبعاثاته منذ 1990. ومع توقعات بتضاعف الطلب على نقل الركاب نحو 3 مرات بحلول 2050، تبرز أهمية توسيع النقل العام الفعّال والميسور التكلفة لمواجهة أزمة المناخ وتلوث الهواء، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين مؤخرًا وتأثيره على السائقين عالميًا.

تشير الدراسة إلى تباين كبير في توفر وسائل النقل العام بين المدن. ففي هيوستن لا يتجاوز عدد مركبات النقل العام 16 مركبة لكل 100 ألف نسمة، مقابل 118 في باريس ذات الحجم السكاني المماثل، بينما تسجل ديترويت 8 مركبات، وإنديانابوليس 7، وأوكلاهوما سيتي 6 فقط، في حين لا تمتلك فريسكو وماكيني أي مركبات رغم أن عدد سكانهما معًا يبلغ نحو 500 ألف نسمة. بالمقابل، ترتفع الأرقام في مدن مثل فيينا إلى 120 مركبة لكل 100 ألف نسمة، ومونتريال إلى 107.

رغم امتلاك نيويورك أحد أفضل أنظمة المترو في الولايات المتحدة، إلا أنها لا تزال أقل من مدن عالمية مثل طهران من حيث كثافة النقل العام، كما أن معدل استخدام النقل للفرد فيها يتأخر عن مدن مثل بنغالورو وسانتياغو ووارسو وفق دراسة منفصلة في 2023، حسب ماذكرت “ذا جارديان”.

تقول كاري واتكينز، خبيرة النقل في جامعة كاليفورنيا ديفيس: “عندما يسافر الناس إلى الخارج، يتحدثون دائما عن روعة تجربة النقل العام، فهي تُبهرهم. الفرق واضح جداً مقارنةً بالولايات المتحدة. ومع ذلك، ما زلنا مجتمعا يعتمد بشكل كبير على السيارات، ولم يتحقق التغيير على الصعيد السياسي”.

ينتشر الاعتماد على السيارات في المناطق الريفية بأوروبا، لكن المدن الكبرى تمتلك شبكات نقل عام واسعة. وقد بدأت عواصم مثل لندن وباريس في تحسين أنظمتها للحاق بمدن رائدة مثل كوبنهاجن وأمستردام وفيينا، حيث لا تتجاوز السيارات ربع الرحلات، بينما يفتقر معظم الأمريكيين لبدائل فعّالة، ما يحد من خيارات النقل لغير القادرين على القيادة بسبب العمر أو الإعاقة أو ارتفاع التكاليف.

تقول واتكينز: “باختصار، تُجبر على العيش كمواطن من الدرجة الثانية دون سيارة. سيستغرق الوصول إلى أي مكان ضعف الوقت، وغالبًا لن تكون التجربة مريحة. في الأغلب تختار طريقا يستغرق وقتا أطول مما لو كنت تستخدم سيارة”.

ورغم أن المبلغ المطلوب لمعالجة هذا الوضع يبدو فلكيًا، إلا أنه ضئيل مقارنة بـ 6.3 تريليون دولار ستنفقها الولايات المتحدة على الطرق السريعة خلال الفترة نفسها على مدى العشرين عامًا المقبلة، كما تشير منظمة “النقل من أجل أمريكا”. فتمويل النقل يعني حتمًا تمويل الطرق في الولايات المتحدة، حيث يُخصص نحو 80% من إجمالي ميزانية النقل الفيدرالية للطرق السريعة.

أدت عقود من السياسات إلى ترسيخ الاعتماد على السيارات في الولايات المتحدة. فمنذ إنشاء نظام الطرق السريعة في خمسينيات القرن الماضي، توسعت شبكة ضخمة من الطرق ربطت البلاد لكنها اخترقت المدن وفصلت المجتمعات، ما زاد الازدحام ودفع لتوسيع الطرق أكثر.

في الوقت نفسه، فضلت الولايات المتحدة الطرق السريعة والسفر الجوي بدل القطارات فائقة السرعة، بينما أسهمت قوانين تقسيم المناطق في انتشار ضواحٍ مترامية تفتقر لكثافة تدعم النقل العام. نتيجة ذلك لا تمثل الحافلات والقطارات سوى 1.5% من الرحلات، مع تكاليف بشرية وبيئية عالية تشمل 40 ألف وفاة سنويًا وتلوثًا متزايدًا.

بينما سعى المدافعون عن البيئة إلى جعل المدن أكثر ملاءمة للمشاة وتعزيز النقل العام، لكن مرحلة ما بعد الجائحة أضعفت هذا القطاع بشدة مع انخفاض الإيرادات بسبب كوفيد-19 واستمرار العمل من بُعد، ما أدى إلى أزمات مالية في مدن مثل نيويورك وفيلادلفيا.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية الأمريكيين يرغبون في تحسين خيارات النقل العام لتجنب الازدحام، وحتى في مقاطعة هاريس وافق الناخبون في 2019 على تطوير شبكة مترو وحافلات سريعة. لكن لاحقًا تراجع رئيس بلدية هيوستن عن المشروع وأزال بعض مسارات الدراجات والحافلات، رغم استمرار وجود نظام قطارات خفيفة. من المتوقع تعزيز الشبكة خلال كأس العالم مع توافد الزوار.

ويؤكد بيتر إيكلز، الذي عاش دون سيارة لـ10 سنوات في هيوستن، أنه وفّر المال بشكل كبير، مشيرًا إلى أهمية خدمات النقل العام في المدينة. جدير بالذكر أن هيوستن ستحتاج إلى زيادة أسطول حافلاتها وقطاراتها بنسبة 435% للوصول إلى مستويات نقل عام مماثلة لعديد من المدن الأوروبية، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة النقل من أجل أمريكا.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : منار الهليل CNN Logo
معرف النشر: ECON-070526-715

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 52 ثانية قراءة