السويد.. تحول رأسمالي صامت يدهش في العالم
لأكثر من 5 عقود، كانت السويد النموذج العالمي الأبرز لسياسة “من المهد إلى اللحد”، حيث تسيطر الدولة على الضرائب والإنفاق والخدمات العامة. لكن هذا المشهد تغير جذرياً؛ إذ تتبنى هذه الدولة الإسكندنافية اليوم تحولاً رأسمالياً صامتاً، محولةً اقتصادها من “الجماعية” إلى “الفردية”، في تجربة تحمل دروساً للدول الغنية، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.
لم تكن السويد دائماً ذات قطاع عام ضخم؛ فبين عامي 1879 و1970، صعدت من أفقر دول أوروبا إلى ثالث أغنى دولة بفضل نظام ضريبي منخفض. لكن المسار انحرف بدءاً من الستينيات مع سيطرة الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الذي رفع الإنفاق الحكومي ليصل إلى ذروة بلغت 70% من الناتج المحلي الإجمالي في التسعينيات. هذا النمو المفرط أدى لركود طويل وعجز مالي انتهى بأزمة مصرفية طاحنة في أوائل التسعينيات.
تحت ضغط المستثمرين، أطلقت الحكومة إصلاحات جذرية شملت خفض إعانات البطالة، وخصخصة الخدمات، وإلغاء ضرائب الثروة والميراث في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع فرض حدود صارمة على الديون. وكانت النتيجة عودة رواد الأعمال الذين فروا سابقاً؛ وكما يروي جاكوب والينبرج، سليل العائلة الصناعية الشهيرة، فإن السويد في الستينيات لم تكن ثرية وكان يوجد بها “سيارة رولز رويس واحدة” فقط؛ أما اليوم، فتضم البلاد أكثر من 800 سيارة، وباتت السويد تتفوق على أمريكا في عدد المليارديرات بالنسبة لعدد السكان بفضل شركات مثل “سبوتيفاي” و “ماين كرافت”.
التغيير طال الخدمات الأساسية؛ فنحو نصف عيادات الرعاية الأولية وثلث المدارس الثانوية تدار الآن من قبل القطاع الخاص. وفي مستشفى “سانت جوران” بالسويد، يتضح فارق الإدارة؛ فالمستشفى تموله الدولة لكن تديره شركة خاصة. وبفضل تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تقلصت تكلفة العلاج بنسبة 20% مقارنة بالمستشفيات الحكومية، ما قضى على قوائم الانتظار.
كما برزت شركات تقدم استشارات طبية رقمية فورية، ما وفر 40% من الوقت الإداري للأطباء. ورغم هذه النجاحات، يرى النقاد أن الخصخصة زادت من حدة “عدم المساواة”، حيث تتركز العيادات الخاصة في المناطق الثرية، وتواجه المدارس الهادفة للربح اتهامات بخفض الجودة لزيادة العوائد.
نجحت السويد فيما عجزت عنه معظم الدول الصناعية، وهو تقليص حجم الدولة. انخفض الإنفاق الاجتماعي العام إلى 24% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تضعها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، وأقل بكثير من نسبة 30% المسجلة في دول مثل فرنسا وإيطاليا. مكن هذا التقليص الحكومة من خفض الضرائب بشكل حاد، حيث تراجع أعلى معدل لضريبة الدخل من 90% في الثمانينيات إلى نحو 50% حالياً، ما حفز طفرة في ريادة الأعمال.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السويدي سينمو بنحو 2% سنوياً حتى عام 2030، وهو ضعف معدلات نمو فرنسا وألمانيا. وتقول وزيرة المالية إن هدفها هو جعل السويد “أرضاً للفرص” لجذب رأس المال والعقول.
لم تكن السويد دائماً دولة ضرائب مرتفعة؛ فبين عامي 1870 و1970 صعدت لتصبح ثالث أغنى دولة في أوروبا بفضل الرأسمالية، قبل أن تدخل في نفق الضرائب المرتفعة التي وصلت إلى 70% من الناتج المحلي في التسعينيات، ما تسبب في ركود طويل وأزمة مصرفية.
أعادت الإصلاحات التي بدأت في منتصف التسعينيات، وشملت إلغاء ضرائب الثروة والميراث، رواد الأعمال المهاجرين. واليوم، تمتلك السويد عدداً من المليارديرات لكل نسمة يفوق الولايات المتحدة، بفضل قطاع تكنولوجيا مزدهر أنتج شركات مثل “سكايب” وألعاباً عالمية مثل “ماين كرافت”. وخلال العقد الماضي، شهدت السويد أكثر من 500 طرح أولي، وهو ما يتجاوز مجموع طروحات ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا معاً.
لكن هذا التحول لم يكن بلا ثمن؛ فقد ارتفعت معدلات عدم المساواة، وشهدت الضواحي ذات الكثافة المهاجرة تصاعداً في عنف العصابات الذي يتحدى سلطة الدولة. وهناك جدل محتدم حول استغلال الخصخصة في التعليم، حيث تبرز اتهامات بخفض جودة المختبرات والملاعب لزيادة الأرباح، تاركين الطلاب الأكثر احتياجاً في مدارس حكومية تعاني نقص الموارد. واليوم، تظل السويد ساحة لاختبار التوازن الصعب بين كفاءة السوق والعدالة الاجتماعية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-120526-168

