إقتصاد

من النفط إلى أحمر الشفاه.. كيف تأثرت صناعة الجمال بالحرب؟

B9fa4548 c7d2 4422 86e0 52c810da1ac9 file.jpg

من النفط إلى أحمر الشفاه.. كيف تأثرت صناعة الجمال بالحرب؟

حين تسمعين عن صدمة النفط الناجمة عن حرب إيران، أول ما سيخطر في بالك على الأرجح ارتفاع أسعار البنزين وفواتير الطاقة، لا أحمر الشفاه في حقيبتك وكريم البشرة الذي تستخدمينه كل صباح. لكن في الواقع، صناعة الجمال تعتمد بشكل كبير على النفط، من المكوّنات المستخدمة في مستحضرات التجميل والعناية الشخصية إلى العبوات البلاستيكية وسلاسل الشحن التي تنقل المنتجات حول العالم. ومع ارتفاع أسعار الخام وتعطل الإمدادات، بدأت تداعيات الحرب تمتد إلى حقيبة المكياج نفسها.

إلى جانب استخدامات النفط في توليد الطاقة والنقل، تدخل المشتقات النفطية أيضاً في تصنيع طيف واسع من مستحضرات التجميل اليومية، من أحمر الشفاه وكريمات الأساس إلى مُرطبات البشرة ومنتجات العناية بالشعر والكثير غيرها. إذ تحتوي كثير من هذه المنتجات على مكوّنات مشتقة من البتروكيماويات مثل الزيوت المعدنية، وجيل البترول، والغليكول، وكحول بولي فينيل، والبارافين والشموع الصناعية والمواد الحافظة. وتُستخدم هذه المواد لمنح المنتجات قواماً أكثر نعومة وثباتاً أطول وقدرة أعلى على الاحتفاظ بالرطوبة.

تكشف قاعدة بيانات “مجموعة العمل البيئي” الأميركية (Environmental Working Group) آلاف مستحضرات التجميل والعناية الشخصية التي تحتوي على مشتقات نفطية ومكوّنات بتروكيماوية مستخدمة على نطاق واسع في القطاع. كما أن معظم عبوات المكياج وأنابيب الكريم وأحمر الشفاه مصنوعة من البلاستيك القائم على مشتقات نفطية.

كيف ترفع الحرب كلفة مستحضرات التجميل؟

مع ارتفاع كلفة كل شيء تقريباً، امتدت تداعيات الحرب إلى سلاسل إمداد صناعة مستحضرات التجميل، من عبوات الكريمات وأنابيب أحمر الشفاه إلى الشحن والمواد الخام الكيميائية. ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين تنفيذيين في القطاع أن الشركات باتت تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتعطل مسارات الشحن، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من المكوّنات الكيميائية ومواد التغليف البلاستيكية يُستورد من شرق آسيا.

ونقلت عن سيموني دومينيشي، الرئيس التنفيذي لشركة “كيكو” الإيطالية لمستحضرات التجميل، أن الشركة بدأت ترصد زيادات في التكاليف مدفوعةً بتضخم أسعار الطاقة وتأخيرات التسليم، مقدّراً الأعباء اللوجستية الإضافية بنحو 1.7 مليون دولار خلال عام. من جانبها، قالت شركة “يونيليفر” المصنعة لصابون “دوف” وغيرها من مستحضرات العناية الشخصية، إنها ستلجأ إلى زيادات سعرية “متكررة ولكن بنسب صغيرة” لمواجهة ارتفاع التكاليف المرتبطة بالحرب، مُشيرةً إلى أن الزيادات في الأسعار قد تصل إلى 2% أو 3% في بعض الأسواق، حسب “رويترز”.

كما صرح الرئيس التنفيذي لـ”لوريال” (L’Oréal) نيكولا هيرونيموس إن الشركة قد تحتاج إلى رفع الأسعار لتعويض ارتفاع تكاليف البلاستيك والخدمات اللوجستية، وفق ما ذكرته “رويترز”. كما أن بعض شركات التجميل اضطرت إلى اللجوء للشحن الجوي أو تغيير مسارات الإمداد لتفادي الاضطرابات، ما زاد الضغوط على الأسعار. وقد أظهرت بيانات صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن أسعار راتنجات البولي إيثيلين، المستخدمة على نطاق واسع في التغليف البلاستيكي، ارتفعت بنحو 70% إلى 80% في الأسواق الفورية الأوروبية بين فبراير وأبريل 2026، عقب صدمة أسعار النفط المرتبطة بتوترات الشرق الأوسط.

مبيعات التجميل خلال الحرب.. تراجع محدود رغم الضغوط

بقيت تداعيات الحرب محدودةً نسبياً على أداء شركات التجميل العالمية، مع تفاوت التأثير بين شركة وأخرى. ورغم تسجيل تراجع طفيف في المبيعات بالشرق الأوسط، رأى بعض المحللين أن ما يُعرف بـ”تأثير أحمر الشفاه” ساعد شركات مستحضرات التجميل على تفادي الضغوط التي واجهتها شركات السلع الفاخرة الأخرى خلال الحرب، إذ واصل المستهلكون الإنفاق على “الكماليات الصغيرة” مثل منتجات التجميل والعناية الشخصية رغم الضغوط الاقتصادية.

وجاء التأثير الأبرز عبر تراجع مبيعات متاجر المطارات والأسواق الحرة، في ظلّ اضطرابات السفر وإلغاء الرحلات وتباطؤ حركة العبور في مطارات الخليج، التي تُعد قنوات بيع مهمة لشركات التجميل.

وقالت شركة “كوتي” (Coty) إن نتائجها تأثرت سلباً بنحو 1.4% جراء الحرب في إيران، مُتوقعةً أن تُؤثر الضغوط التي تواجه أعمال الشركة في الشرق الأوسط سلباً على مبيعات الربع المقبل بنسبة تُقدَّر بين 2% و3%. كما أفادت شركة “بويغ” (Puig)، المالكة لعلامات مثل “شارلوت تيلبوري” (Charlotte Tilbury) و”كارولينا هيريرا” (Carolina Herrera)، بتباطؤ نمو مبيعاتها خلال الربع الأول، نتيجة طلب متوسط خصوصاً على العطور التي تمثل الجزء الأكبر من إيراداتها، رغم إبقائها توقعاتها السنوية دون تغيير.

وقالت الشركة إن الحرب في الشرق الأوسط كان لها أثر سلبي يُقدّر بنحو 1.2%، مُشيرةً إلى أن الضغوط كانت أشد في قطاع التجزئة المرتبط بالسفر، أكثر ممّا كانت في المتاجر في الأسواق بالشرق الأوسط، بحسب “رويترز”. وتمثل مبيعات الأسواق الحرة والتجزئة المرتبطة بالسفر نحو عُشر إيرادات الشركة، ما يجعلها أكثر عرضةً لتقلبات التسوق في المطارات وحركة السفر الدولية.

كذلك شركة “إستي لودر” (Estée Lauder)، المالكة لعلامات مثل “ماك” (MAC) و”لا مير” (La Mer)، التي أعلنت أن الحرب خفّضت نمو مبيعاتها في أوروبا والأسواق الناشئة بنحو نقطة مئوية، لكن التأثير على النتائج الإجمالية الموحدة للمجموعة لم يكن جوهرياً. كما أشارت “لوريال” إلى أن التوترات الجيوسياسية ضغطت على الطلب في الشرق الأوسط، مع توقع تأثير أكبر خلال الربع المقبل.

إلا أن الرئيس التنفيذي هيرونيموس قال إن المبيعات في المنطقة تمثل أقل من 3% من إجمالي مبيعات الشركة، متوقعاً أن يكون تأثير الحرب “قابلاً للإدارة”، حسب ما نقلته عنه “رويترز”. ويشكّل التسوق في المطارات أحد روافد الدخل المهمة لشركات العناية الشخصية، حيث تُعد مستحضرات التجميل من أكبر فئات المبيعات في قطاع التجزئة المرتبط بالسفر عالمياً، بقيمة بلغت 25.2 مليار دولار في 2024، بحسب بيانات لمؤسسة “جينيريشن ريسيرش” (Generation Research) نشرتها مجلة “فوغ بزنس” (Vogue Business).

كيف أنقذ “تأثير أحمر الشفاه” شركات التجميل؟

في وقت ضغطت الحرب وصدمة النفط على قطاعات الفخامة، استفادت شركات التجميل مما يُعرف بـ”تأثير أحمر الشفاه”، وهي نظرية اقتصادية تفترض أن المستهلكين يميلون خلال الأزمات إلى تقليص الإنفاق على السلع الفاخرة الكبيرة، مقابل الاستمرار في شراء “الكماليات الصغيرة” مثل مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة.

وبرزت “لوريال” كأحد المستفيدين من هذا التوجه، بعدما سجلت أسرع نمو فصلي لها في عامين، مع ارتفاع المبيعات 6.7% خلال الربع الأول، مدفوعةً بزيادة الطلب على منتجات العناية بالشعر والعطور في الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

ونقلت “رويترز” عن هيرونيموس أنه لم يُلاحظ “أي تغير إطلاقاً في أنماط استهلاك منتجات التجميل” حتى الآن، واصفاً أوروبا “التجسيد الكامل لما نسميه تأثير أحمر الشفاه أو تأثير الدوبامين الخاص بالجمال”، حيث يلجأ المستهلكون إلى شراء مستحضرات التجميل ليشعروا بتحسن خلال الأوقات الصعبة.

وفي حين عزت مجموعات الرفاهية مثل “إل في إم إتش” (LVMH) و”هيرميس” (Hermès) و”كيرينغ” (Kering) تباطؤ نموها خلال الربع الأول إلى تداعيات الحرب، نقلت “رويترز” عن محللين في “باركليز” أن “لوريال” تبدو فائزة نسبياً خلال الأزمة الحالية بفضل انكشافها القوي على منتجات التجميل ميسورة الكلفة، ما يتيح للمستهلكين اختيار مستحضرات أرخص من العلامات التابعة لها.

هل تدفع صدمة النفط صناعة التجميل نحو البدائل الخضراء؟

يُعد قطاع التجميل من الصناعات المسببة للتلوث، خصوصاً بسبب الاعتماد الكثيف على البلاستيك والمشتقات النفطية في التغليف والمكوّنات. وتشير تقديرات “زيرو ويست ويك” (Zero Waste Week) إلى أن صناعة الجمال تنتج نحو 120 مليار وحدة تغليف سنوياً، ينتهي جزء كبير منها كنفايات لا يُعاد تدويرها.

وقد دفعت هذه الضغوط بالفعل شركات كبرى إلى إطلاق التزامات بيئية لتقليل الاعتماد على البلاستيك والمواد البتروكيماوية. ويمكن لصدمة النفط الحالية واضطراب إمدادات البتروكيماويات، أن تسرّعا هذا التحول. فقد أعلنت شركة مستحضرات التجميل “شيسيدو” (Shiseido) اليابانية أنها تدرس استبدال بعض المواد الخام المشتقة من النفط ببدائل نباتية، بعدما أشارت إلى أن نقص النافثا البتروكيماوية قد يؤثر على مكوّنات مستخدمة في المرطبات ومستحضرات المكياج.

كما تعمل الشركة على توسيع شبكة مورّديها لتأمين بدائل أكثر استدامة، بحسب “بلومبرغ”. وفي كوريا الجنوبية، قالت شركة “يون وو” (Yonwoo)، المورّدة لعبوات مستحضرات التجميل لشركات كبرى، إن الحرب رفعت الطلب على العبوات الورقية “الصديقة للبيئة” بشكل غير متوقع، بعدما دفعت اضطرابات النفط أسعار البلاستيك إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات. وأضافت الشركة أن الاستفسارات بشأن الأنابيب والأكياس الورقية ارتفعت ثلاثة أضعاف، حسب “رويترز”.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : aleqt.com CNN Logo
معرف النشر: ECON-170526-382

تم نسخ الرابط!
6 دقيقة و 2 ثانية قراءة