شهدت بريطانيا عام 1924 واحدة من أكثر الفضائح السياسية تأثيراً في تاريخها الحديث، بعد ظهور وثيقة نُسبت إلى غريغوري زينوفييف، أحد قادة الحركة الشيوعية في تلك الحقبة، وادّعت أنها موجهة إلى الحزب الشيوعي البريطاني. أطلقت عليها الصحف حينها اسم “رسالة زينوفييف” وسرعان ما أثارت جدلاً واسعاً قبل أيام قليلة من الانتخابات البرلمانية، رغم أن مؤرخين لاحقين أثبتوا أنها مزورة، ولا تزال هوية مَن دَبّر نشرها مجهولة حتى اليوم.
خوف من الثورة البلشفية
شهدت أوروبا في مطلع القرن العشرين حالة توتر وخوف بعد الثورة البلشفية الروسية عام 1917، التي أسقطت النظام القيصري ومهدت لقيام الاتحاد السوفيتي. في بريطانيا ازداد القلق من احتمال انتشار الأفكار الشيوعية محلياً، خاصة مع تصاعد الإضرابات العمالية والصعوبات الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. كما كانت لندن تتوجس من محاولات موسكو لتصدير الثورة إلى دول أخرى، ما قادها للمشاركة سابقاً في بعض مظاهر الصراع ضد البلاشفة خلال الحرب الأهلية الروسية. وقد انعكست هذه المخاوف على المشهد السياسي البريطاني في عشرينيات القرن الماضي وتصاعدت معها الريبة من نفوذ النقابات والأفكار اليسارية.
انتخابات مصيرية
قبل انتخابات 1924 كان حزب العمال بقيادة رامسي ماكدونالد قد شكل حكومة أقلية بدعم من الحزب الليبرالي، بعد خسارة المحافظين للأغلبية. قبل أربعة أيام من الاقتراع نشرت إحدى الصحف ما قيل إنه رسالة سرية من زينوفييف إلى الشيوعيين البريطانيين، تدعو إلى تعبئة العمال وتحذّر من أن تقارب حكومة العمال مع الاتحاد السوفيتي قد يؤدي إلى اندلاع ثورة شبيهة بالثورة الروسية داخل المملكة المتحدة.
صدمة وانقلاب سياسي
أحدث نشر الرسالة صدمة في الرأي العام، واستغل حزب المحافظين الأمر للهجوم على حزب العمال واتهامه بالتقارب مع موسكو وتهديد الأمن الداخلي. في انتخابات 29 أكتوبر 1924 انهار التحالف بين العمال والليبراليين بشكل مفاجئ؛ فقد خسر الحزب الليبرالي 118 مقعداً، بينما فقد حزب العمال نحو 40 مقعداً، في حين حقق المحافظون مكاسب كبيرة بزيادة 154 مقعداً ليصل مجموع مقاعدهم إلى 412 ويعودوا إلى سدة الحكم.
رسالة مزيفة وتأثيرها
بعد عقود من الجدل خلص عدد من المؤرخين والباحثين إلى أن رسالة زينوفييف كانت مزورة ولا تُنسب فعلياً إلى زينوفييف أو القيادة السوفيتية. ومع ذلك بقيت أسئلة حول الجهة التي سرّبت أو وضعت الوثيقة، وطرح البعض فرضيات عن دور أجهزة استخباراتية أو قوى سياسية أرادت الإطاحة بحكومة العمال. كما لا يتفق المؤرخون تماماً على مدى تأثير الرسالة بمفردها على نتائج الانتخابات؛ فبعضهم يرى أن التوترات الاقتصادية والسياسية كانت قائمة مسبقاً، لكن لا يمكن إنكار أن قضية الرسالة كانت من أقوى أمثلة التأثير السريع للتسريبات والدعاية السياسية على المزاج الانتخابي في بريطانيا.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان ![]()
معرف النشر: MISC-270526-533

