إقتصاد

متحف “باب البنط”.. بوابة الحجاج والتجار التي أصبحت ذاكرة لجدة والبحر

15bdb227 4f79 4665 a9a0 1a777e62a046 file.jpg

لم يعد “باب البنط” يستقبل السفن التي كانت تحمل الحجاج والتجار إلى جدة كما كان يفعل قبل أكثر من قرن، لكنه لا يزال يحتفظ بالقصص التي عبرت من خلاله إلى المدينة، فالموقع الذي تحول اليوم إلى متحف للبحر الأحمر كان ذات يوم بوابة الوصول البحرية إلى جدة، ونقطة التقاء لآلاف الرحلات القادمة من آسيا وأفريقيا، قبل أن تواصل طريقها إلى مكة المكرمة.

وبينما تغيرت ملامح الساحل وتبدلت وسائل النقل، بقي البُنْط واحداً من أبرز الشواهد على العلاقة التي ربطت جدة بالبحر، وهي العلاقة التي أسهمت في صناعة هويتها الاقتصادية والثقافية عبر عقود طويلة.

الاسم والمعنى والمكان

يعود تأسيس ميناء البنط إلى عام 1867، في فترة كانت جدة تستقبل خلالها أعداداً كبيرة من الحجاج القادمين بحراً من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، واستمد الموقع اسمه من الزوارق الصغيرة المعروفة محلياً باسم “البنط”، التي كانت تتولى نقل الركاب والبضائع بين السفن الراسية في عرض البحر والشاطئ قبل إنشاء الأرصفة البحرية الحديثة.

رغم التحولات العمرانية التي شهدتها جدة خلال العقود الماضية، ظل البنط حاضرا في ذاكرة أهل المدينة بوصفه أحد أبرز معالمها البحرية التاريخية. فالمبنى الواقع بين البريد المركزي ومركز المحمل التجاري احتفظ بمكانته الرمزية، حتى بعد توقف دوره كميناء قبل عقود. واليوم يطل على مشروع تطوير بحيرة الأربعين، التي ستستعيد اتصالها بمياه البحر بعد انقطاع تجاوز 60 عاماً، في مشهد يعيد إلى الموقع جانباً من علاقته التاريخية بالساحل. غير أن البنط لن يعود هذه المرة ميناءً تستقبل أرصفته السفن والحجاج، بل متحفا يروي تاريخ البحر الأحمر، ويحفظ ذاكرة السفن والمسافرين والحجاج الذين مروا عبره في طريقهم إلى مكة المكرمة.

قد أعادت أعمال الترميم والتأهيل، التي نفذت ضمن مشاريع تطوير جدة التاريخية وتقودها وزارة الثقافة السعودية، الحياة إلى هذا الموقع، ليعود إلى المشهد الثقافي في صورة جديدة تحافظ على قيمته التاريخية وتبرز دوره في تشكيل هوية جدة البحرية.

ترى الفنانة التشكيلية والباحثة في التراث السعودي اعتدال عطيوي أن باب البنط يمثل جزءا من الذاكرة الجماعية لأهالي جدة، إذ ارتبط بقصص الحجاج والتجار والبحارة الذين مروا عبر المدينة على مدى عقود طويلة. وتؤكد أن أهمية الموقع تتجاوز قيمته العمرانية إلى كونه أحد الشواهد التي تختصر علاقة جدة بالبحر، وهي العلاقة التي أسهمت في تشكيل شخصيتها الثقافية والاقتصادية عبر التاريخ.

البنط في ذاكرة الرحالة والمستشرقين

لم يغب الميناء عن كتابات عدد من الرحالة والمستشرقين الذين زاروا جدة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ وثقوا مشاهد السفن الراسية والقوارب المتحركة بين البحر والمدينة، والحركة النشطة التي كانت تشهدها الواجهة البحرية.

فقد كانت جدة آنذاك المحطة الأخيرة للحجاج قبل التوجه إلى مكة المكرمة، ما جعل الميناء نقطة التقاء لشعوب وثقافات متعددة قدمت من الهند وإندونيسيا وشرق أفريقيا ومصر وبلاد الشام وغيرها.

كان الحاج يرى في البنط أول مشهد يستقبله عند وصوله إلى الأراضي المقدسة. ومن هناك تبدأ إجراءات الدخول والاستقبال، وتتكون الانطباعات الأولى عن المدينة. لذلك اكتسب الموقع بعداً إنسانياً يتجاوز وظيفته البحرية، إذ شهد على مدى سنوات طويلة قصصاً لا تحصى لحجاج جمعتهم رحلة واحدة رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم.

مع تطور النقل البحري وتوسع الموانئ الحديثة في جدة، انتقلت تدريجيا مهام استقبال السفن والبضائع إلى ميناء جدة الإسلامي، لتتوقف أعمال البنط في منتصف خمسينيات القرن الماضي، إلا أن المبنى بقي قائما محتفظا بمكانته التاريخية في وجدان سكان المدينة.

أبرز معالم البنط عند التأسيس ودوره الاقتصادي

لم يكن البنط مجرد نقطة وصول ومغادرة، بل كان منظومة متكاملة لخدمة الحجاج والمسافرين. فقد ضم مبنى “الكرنتينة” أو المحجر الصحي، حيث كان الأطباء يشرفون على فحص القادمين والتأكد من سلامتهم الصحية قبل السماح لهم بمواصلة الرحلة إلى مكة المكرمة. كما احتوى على الجمرك والإسكلة البحرية وعدد من المكاتب الإدارية المرتبطة بتنظيم حركة السفر والتجارة.

لعب الموقع دورا مهما في النشاط الاقتصادي لجدة، فالسفن التي حملت الحجاج كانت تصل أيضا محملة بالبضائع القادمة من موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي، ما جعل المنطقة المحيطة بالميناء مركزاً تجارياً نشطاً. وعلى امتداد الطرق المؤدية إليه ازدهرت حركة البيع والشراء وانتشرت المتاجر والأسواق التي وفرت احتياجات الحجاج والمسافرين.

أسهمت هذه الحركة في تعزيز مكانة جدة التجارية وربطها بشبكة واسعة من الموانئ والمدن المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، الأمر الذي جعل البُنْط بوابة لعبور السلع والأفكار والثقافات إلى جانب دوره في نقل الركاب.

يعكس المبنى القائم حتى اليوم جانباً من العمارة الحجازية التقليدية. فقد شُيد بالحجر المنقبي والخشب المحلي على مساحة تقارب ألف متر مربع، ويتكون من دور أرضي يضم صالات استقبال تحيط بها 12 غرفة خُصصت للعاملين والأطباء والموظفين، إضافة إلى دور علوي يحتوي على أكثر من 16 غرفة متفاوتة المساحات.

كما تتوزع في المبنى عناصر معمارية مميزة تشمل الأقواس والزخارف الإسلامية والنوافذ الخشبية، وهي تفاصيل تمنحه طابعه الخاص وتجعله جزءاً من المشهد العمراني الذي عُرفت به جدة التاريخية عبر قرون.

تشير اعتدال عطيوي مؤسسة صفحة “أحباب جدة”، إلى أن إعادة توظيف المباني التاريخية وتحويلها إلى فضاءات ثقافية تمثل أحد أكثر أساليب المحافظة على التراث فاعلية، لأنها تضمن استمرار حضور هذه المواقع في حياة المجتمع بدلاً من بقائها معالم صامتة معزولة عن محيطها.

مشروع جدة التاريخية أعاد البنط ومياه البحر للواجهة

مع مشاريع تطوير جدة التاريخية، استعاد البنط حضوره من جديد بعد تحويله إلى متحف للبحر الأحمر، يروي تاريخ الملاحة البحرية والعلاقة الوثيقة التي ربطت جدة بالبحر عبر مئات السنين.

يضم المتحف نماذج للمراكب التقليدية التي اشتهرت بها سواحل البحر الأحمر، مثل السواعي والسنابيك والهواري والمعديات والسفن الشراعية، إلى جانب معروضات توثق مهن الصيد وصناعة السفن وأدوات الملاحة التقليدية التي استخدمها البحارة في رحلاتهم.

كما يحتوي على صور ووثائق تاريخية ومقتنيات تسجل مراحل تطور جدة البحرية، وتوثق دور الميناء في استقبال الحجاج والتجار والمسافرين. وتمنح هذه المعروضات الزائر فرصة للتعرف على جانب مهم من تاريخ المدينة الذي ارتبط بالبحر بوصفه مصدرا للحياة والتواصل والتبادل التجاري.

حيث تؤكد اعتدال عطيوي في هذا السياق، أن متحف البنط لا يقتصر على حفظ المقتنيات التاريخية، بل يقدم رواية متكاملة عن التحولات التي شهدتها جدة منذ كانت ميناء رئيسا للحجاج القادمين إلى مكة المكرمة، وترى أن هذه المواقع تساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخ مدينتهم بصورة أكثر قربا وارتباطا بالواقع.

تشير إلى أن ربط مسار الحج التاريخي الذي يبدأ من باب البُنْط بالمعالم الأخرى في جدة التاريخية، مثل بيت نصيف ومسجد الشافعي والأسواق القديمة، يمكن أن يقدم تجربة ثقافية متكاملة تعكس الترابط بين الجوانب البحرية والعمرانية والاجتماعية والدينية في تاريخ المدينة.

اليوم، وبعد أكثر من قرن ونصف القرن على تأسيسه، يواصل البنط أداء دور مختلف عن ذلك الذي عرفه في الماضي، فالمكان الذي كان يستقبل السفن والحجاج أصبح يستقبل الزوار والباحثين والمهتمين بتاريخ البحر الأحمر، فيما لا تزال جدرانه تحتفظ بذاكرة مرحلة كانت فيها جدة بوابة الحرمين الشريفين البحرية إلى العالم.

هكذا تحول البنط من مرفأ لعبور الرحلات البحرية إلى متحف يحفظ ذاكرة تلك الرحلات، ويستعيد جانبا مهما من تاريخ جدة وعلاقتها بالبحر، وبين الحجر القديم وصور السفن ووثائق الحجاج، تستمر الحكاية شاهدة على مدينة صنعت من موقعها البحري جسرا للتواصل بين الشعوب والثقافات، وحافظت على إرثها التاريخي ليبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال القادمة


عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : أحمد عزوز CNN Logo
معرف النشر: ECON-250626-675

تم نسخ الرابط!
5 دقيقة و 28 ثانية قراءة