تحولت موجات الحر القياسية هذا الصيف إلى اختبار عملي لقدرة مراكز البيانات على مواصلة العمل في ظل تصاعد آثار التغير المناخي، بعد أن تسببت درجات الحرارة المرتفعة في ضغوط على شبكات الكهرباء، وتعطّل بعض محطات الطاقة، وارتفاع خسائر شركات التأمين، بينما يشهد القطاع استثمارات قياسية مدفوعة بالطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
ويعتبر خبراء أن المخاطر المناخية لم تعد سيناريوهات مستقبلية، بل باتت تحديًا مباشرًا أمام أحد أسرع القطاعات نموًا في العالم، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة البنية التحتية الحالية على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات المقبلة.
شهدت الولايات المتحدة خلال مايو الماضي أولى بوادر الضغوط التي تواجهها مراكز البيانات، بعد أن منحت وزارة الطاقة الأمريكية تفويضًا طارئًا لشركة “بي جيه إم إنتركونيكشن” المشغلة لشبكة الكهرباء في شمال ولاية فرجينيا لتقنين إمدادات الكهرباء المخصصة لمراكز البيانات بسبب ارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة.
وفي فرنسا، أجبرت موجة حر بلغت 44.3 درجة مئوية بعض المحطات النووية على تعليق عملياتها مؤقتًا، مما انعكس على إمدادات الكهرباء التي تعتمد عليها مراكز البيانات، في ظل تزايد الطلب على الطاقة.
وكشفت شركة “زيورخ للتأمين” أن الطقس الحار أصبح السبب الرئيس للخسائر في محفظتها التأمينية المتعلقة بمراكز البيانات داخل الولايات المتحدة.
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطاع طفرة استثمارية غير مسبوقة؛ فبحسب مجلة “فورتشن”، خصصت كبرى الشركات العالمية منذ بداية عام 2026 ما لا يقل عن 750 مليار دولار للاستثمار في مراكز البيانات، مقارنة بنحو 450 مليار دولار خلال العام الماضي. وتتوقع وكالة “موديز” أن تتجاوز الاستثمارات الرأسمالية في القطاع ثلاثة تريليونات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، غير أن هذه الخطط تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالمخاطر المناخية.
أظهرت دراسة صادرة عن مؤسسة “فيرست ستريت” المتخصصة في تحليلات المناخ أن نحو 79% من السعة العالمية لمراكز البيانات معرضة لمخاطر مناخية مرتفعة، تشمل موجات الحر والفيضانات والجفاف، وهي عوامل قد تؤدي إلى تعطيل العمليات التشغيلية، وزيادة فترات التوقف، وارتفاع تكاليف التأمين. وتتركز هذه المخاطر بصورة خاصة في الولايات المتحدة التي تضم أكبر أسواق مراكز البيانات عالميًا.
وأشار مسح المؤسسة إلى أن ولايتي فرجينيا وكارولينا الشمالية، اللتين تشهدان توسعًا كبيرًا في إنشاء مراكز البيانات، تندرجان ضمن أكثر الأسواق تعرضًا للمخاطر المناخية. كما أظهر تحليل لصحيفة “الغارديان” أن 517 مركز بيانات من أصل 809 مخططًا لإنشائها في الولايات المتحدة تقع داخل مناطق تعرضت لتحذيرات من الجفاف خلال العام الماضي.
تشكل الحرارة المرتفعة تحديًا مباشرًا لأنظمة التبريد التي تعتمد عليها الخوادم للحفاظ على كفاءتها التشغيلية، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة الخارجية إلى زيادة استهلاك الكهرباء والمياه، فضلاً عن ارتفاع احتمالات تعطل معدات التبريد. وتبرز ولاية تكساس مثالًا على هذه التحديات، إذ تضم نحو 248 مشروعًا جديدًا لمراكز البيانات، إلا أن الفيضانات التي شهدتها الولاية العام الماضي أجبرت بعض المواقع على تشغيل مولدات الديزل وأعاقت وصول فرق الصيانة.
لا تقتصر التحديات على أنظمة التبريد فحسب، بل تمتد إلى شبكات الكهرباء نفسها التي تواجه ضغوطًا متزايدة خلال فترات الحر الشديد. وفي الولايات المتحدة، دعا مشغلو شبكات الكهرباء الشركات إلى الاستعداد لاحتمال حدوث تغيرات مفاجئة في الخدمة، فيما طالب حاكم ولاية تكساس جريج أبوت بفرض قيود تشغيلية على مراكز البيانات لضمان استقرار إمدادات الكهرباء للسكان. كما أظهرت التجربة الفرنسية أن استمرار تشغيل مراكز البيانات يعتمد على استقرار منظومة إنتاج الكهرباء بقدر اعتماده على كفاءة أنظمة التبريد.
بدأت شركات التأمين بدورها في إعادة تقييم حجم المخاطر المرتبطة بالقطاع؛ فقد أكدت “زيورخ للتأمين” أن الأحوال الجوية القاسية أصبحت السبب الأول للخسائر في محفظتها الخاصة بمراكز البيانات داخل الولايات المتحدة. ووفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، قد تصل الخسائر الناتجة عن تأثيرات التغير المناخي على قطاع مراكز البيانات إلى نحو 3.3 تريليون دولار بحلول عام 2055، مع توقعات بأن تؤدي الحرارة الشديدة إلى تآكل ما يقارب 10% من القيمة الإجمالية لأصول مراكز البيانات عالميًا، ما يجعل التكيف مع المخاطر المناخية أحد أبرز التحديات أمام مستقبل البنية التحتية الرقمية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : ترجمة: جنى الدهيشي ![]()
معرف النشر: ECON-300626-530

