أسلوب حياة

سنجاب يلهم العلماء لإحداث ثورة طبية في علاج الحالات الحرجة، فما القصة؟

405732f1 3c7f 4237 884c 69309e37524a file.jpg

يلهم ما يعرف بـ”سنجاب الأرض القطبي” العلماء بتطوير علاجات جديدة للحالات الحرجة، بعدما تبيّن أن هذا الحيوان قادر على البقاء في درجات حرارة جسد شديدة الانخفاض لا يتحملها أي ثديي آخر.

ففي أغسطس/آب، ومع اقتراب نهاية الصيف وقصر ساعات النهار، تبدأ أنثى سنجاب الأرض القطبي بتخزين الدهون، فتجوب سهول التندرا بحثاً عن الغذاء من أعشاب ونباتات وأوراق، ثم تعود إلى جحرها لتدخل سباتاً شتوياً عميقاً. وعلى عمق نحو متر تحت الأرض، تتباطأ وظائف جسده إلى حد بعيد، ويصبح التنفس ونبض القلب بضع مرات في الدقيقة، حتى يبدو كأنه ميت.

ومع تجمد الأرض فوقه وبلوغ حرارتها 20 درجة مئوية تحت الصفر، تنخفض حرارة جسمه بشكل حاد؛ إذ تهبط حرارة الدماغ إلى صفر درجة مئوية، وتصل حرارة البطن إلى درجتين تحت الصفر، بينما تنخفض حرارة الأطراف الخلفية إلى 2.9 درجة مئوية تحت الصفر، وهي أدنى درجة سُجِّل بقاء أي ثديي على قيد الحياة عندها. ويظل في هذه الحالة ثمانية أشهر بلا غذاء أو ماء، ولا يفيق إلا على فترات متباعدة.

هذه الخصائص جعلت السنجاب موضوعاً مهماً للدراسة، أملاً في فهم الأسس البيولوجية للسبات والاستفادة منها لدى البشر. ويقول كوري ويليامز، عالم البيئة الفسيولوجية في جامعة ولاية كولورادو: “فسيولوجيتها مختلفة اختلافاً كبيراً، وفي ذات الوقت، يمكن إدراك أنه إذا أمكن الاستفادة من هذه الميزة وتطبيقها على البشر، فقد تكون لها فوائد عملية حقيقية”.

ويأمل العلماء أن تساعد قدرة إبطاء التمثيل الغذائي الإنسان في كسب وقت إضافي لعلاج النوبات القلبية والسكتات الدماغية وإصابات المخ، كما قد تتيح تبريداً وقائياً يحافظ على الأعضاء الحيوية، وقد تمهد مستقبلاً لإدخال رواد الفضاء في حالات تعليق حيوي تساعدهم في الرحلات الطويلة.

وتجري جامعة ألاسكا فيربانكس أبحاثاً على سناجب الأرض القطبية منذ أكثر من خمسين عاماً. وتبدو هذه القوارض وكأن لديها ساعة بيولوجية داخلية تحدد موعد السبات، إلى جانب تغير طول النهار؛ إذ يبدأ لدى الإناث في أغسطس/آب، ثم لدى الذكور بعد ذلك بفترة. وتُنقل الحيوانات إلى غرفة تبريد مظلمة تحاكي جحورها، وتُترك داخل أقفاص بلاستيكية فوق القطن أو نشارة الخشب.

وتقول سارة رايس إن أجسامها تكون باردة جداً، وأن تنفسها ونبضها بطيئان إلى حد “يصعب أحياناً التمييز بين كونها حية أم لا”. ويدرس الباحثون، ومن بينهم كيلي درو، العامل الذي يطلق هذا التباطؤ في التمثيل الغذائي.

وفي الطب، تُستخدم مواد تبريد أو أدوية محددة أحياناً بعد النوبات القلبية أو السكتات الدماغية لحماية المخ والأعضاء الحيوية، لكن هذه الطريقة لا تنجح دائماً، وقد يصعب تطبيقها لأن الجسم يقاوم التبريد عبر الارتجاف. ويقول درو إن إبطاء التمثيل الغذائي قد يسمح للجسم بأن يبرد طبيعياً “لأن الجسم لن يقاوم”.

كما قد يفيد ذلك في حفظ الأعضاء المخصصة للزرع لفترة أطول، وفي حماية مرضى السرطان من أضرار الإشعاع. ويؤكد دومينيكو توبوني أن الأهم هو منح المرضى، من المصابين بالسكتات الدماغية البعيدة عن المستشفيات إلى الجنود المصابين في ساحات القتال، وقتاً إضافياً للعلاج.

وكانت كيلي درو وزملاؤها قد اكتشفوا قبل أكثر من عشر سنوات الأدينوسين، وهو جزيء طبيعي يسهم في سبات السناجب. وفي دراسة عام 2011، حُقنت أدمغة السناجب بعقار يشبه الأدينوسين يُعرف باسم “6-إن سيكلوهكسيل أدينوسين”، فدخلت الحيوانات في حالة شبيهة بالسبات وتباطأت عملية التمثيل الغذائي لديها. كما أظهر جزيء مشابه تأثيراً في الفئران، إذ انخفضت حرارة أجسامها الأساسية من 38 درجة مئوية إلى نحو 28 درجة مئوية.

لكن تطبيق هذه النتائج على البشر لا يزال صعباً، لأن حقن أدوية مشابهة للأدينوسين في المخ إجراء تدخلي، كما أن إعطاءه عبر الوريد قد يسبب آثاراً جانبية خطيرة. ومع ذلك، يواصل الباحثون دراسة استراتيجيات أخرى، بينها تعطيل مجموعة من الخلايا العصبية المنظمة لحرارة الجسم، وهو ما وصفه توبوني بـ”انعكاس تنظيم الحرارة”.

ويتعاون توبوني حالياً مع درو لمعرفة ما إذا كانت هذه الدائرة مسؤولة عن تحفيز السبات في سناجب الأرض القطبية، أملاً في تطوير علاجات تدفع البشر إلى حالة منظمة تشبه السبات لأغراض علاجية.

كما يدرس العلماء مقاومة هذه السناجب لإصابة نقص التروية وإعادة التروية، وهي التي تحدث عند عودة الدم إلى عضو حُرم من الأكسجين. ووجدت دراسة عام 2020 أن تركيز اليوديد في دم سنجاب الأرض القطبي يرتفع إلى ثلاثة أمثال مستواه الطبيعي أثناء السبات، وأن إعطاء اليوديد للفئران قلل تلف الأنسجة مقارنة بالمحلول الملحي. وأدت هذه النتائج إلى دراسة طبية عام 2022 على مرضى خضعوا لرأب الأوعية الدموية بعد نوبة قلبية شديدة، وأظهرت المجموعة التي تلقت اليوديد مؤشرات أقل على تلف القلب والإجهاد.

وتبحث رايس أيضاً في سر حفاظ السناجب على كتلتها العضلية خلال السبات، فيما يدرس ويليامز انتقالها من الشره قبل السبات إلى فقدان الشهية الكامل أثناءه، وهو ما قد يساعد في فهم فقدان الشهية لدى البشر. ويرى العلماء أن هذه الأبحاث قد تفيد كذلك رواد الفضاء، سواء في تقليل الغذاء والفضلات، أو الحد من فقدان العضلات، أو الحماية من الإشعاع، أو تخفيف الضغوط النفسية في الرحلات الطويلة.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 7
المصدر الرئيسي : https://www.facebook.com/bbcnews BBC Logo
معرف النشر: LIFE-050726-228

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 47 ثانية قراءة