قال المتحدث باسم وزارة الخارجية اليابانية، كيتامورا توشيهيرو، إن نحو 50% من حركة التجارة بين اليابان والسعودية ترتبط بقطاعي النفط والبتروكيماويات، مشيراً إلى أن أمن إمدادات الطاقة وحرية الملاحة يمثلان أولوية قصوى لليابان.
وأكد لـ«الاقتصادية» أن طوكيو تسعى لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية مع الرياض، ليس فقط في قطاع الطاقة الذي شكّل محوراً تاريخياً للعلاقة بين البلدين، وإنما أيضاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية والبنية التحتية والهيدروجين والأمونيا والترفيه والإنشاءات.
وتأتي هذه الخطوات في سياق سعي السعودية واليابان لتحويل العلاقة الاقتصادية من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على تجارة الطاقة إلى شراكة أكثر تنوعاً تستفيد من التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة ومن القدرات التقنية والصناعية والاستثمارية اليابانية.
أشار توشيهيرو إلى أن اليابان بدأت منذ عام 1980 بتوسيع علاقاتها الاستثمارية مع السعودية في قطاعي النفط والبتروكيماويات، اللذين لا يزالان يمثلان نحو نصف حجم التجارة بين البلدين.
وذكر أن النفط يعد مصدراً أساسياً للاقتصاد الياباني، لذا تواصل طوكيو العمل مع السعودية لتعزيز المشاريع المشتركة في مجال الطاقة وتوسيع أطر التعاون فيه.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة لليابان كونها اقتصاداً صناعياً يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعل استقرار الأسواق وسلاسة تدفق الشحنات عوامل مؤثرة في تكلفة الإنتاج والنمو الاقتصادي.
من ناحية أخرى، تعتبر اليابان شريكاً مهماً للسعودية في تطوير صناعات مرتبطة بالطاقة مثل التكرير والبتروكيماويات والتقنيات الصناعية، ما يتيح رفع القيمة المضافة للموارد النفطية بدلاً من الاقتصار على تصدير الخام.
شدد المسؤول الياباني على حرص بلاده على حرية وأمن الملاحة والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط باعتبارهما عناصر أساسية لتهيئة المناخ الملائم للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية، مشيراً إلى أهمية التصدي للعوامل التي قد تعطل حركة السفن وخصوصاً ناقلات النفط في الممرات البحرية الاستراتيجية.
ولفت إلى أن انسياب شحنات الطاقة يمثل أولوية لليابان والاقتصاد العالمي، وأن مخاطر تعطّل الشحنات تؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والنقل وإطالة مسارات الملاحة ورفع تكلفة الواردات، وهي آثار يمكن أن تنتقل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين.
وفي هذا السياق، أشار توشيهيرو إلى أن زيارة وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي إلى الرياض تركزت على أمن الملاحة البحرية وأهمية استقرار الشرق الأوسط وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، مع إدانة استمرار الهجمات على ناقلات النفط الخام أثناء عبورها البحر الأحمر، مؤكداً أن اليابان تستخدم مختلف الوسائل للمساهمة في ضمان انسياب شحنات النفط وتهيئة بيئة اقتصادية واستثمارية مستقرة، خاصة في قطاع الطاقة.
وليس توسع التواجد الياباني في السعودية مقصوراً على النفط والبتروكيماويات، إذ تتجه طوكيو إلى توسيع حضورها في مجموعة واسعة من القطاعات المتوافقة مع مستهدفات التحول الاقتصادي في المملكة.
وقال المسؤول إن اليابان تعمل في إطار خطة رئيس الوزراء الياباني الجديدة على التوسع استثمارياً في 17 قطاعاً حيوياً، مع إيلاء الذكاء الاصطناعي أولوية قصوى.
وأضاف أن السعودية تبرز كوجهة رئيسية لهذه الاستثمارات إلى جانب قطاعات الترفيه والبنية التحتية والإنشاءات فضلاً عن الهيدروجين والأمونيا، ما يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة الاقتصادية من التركيز على تأمين النفط وتطوير صناعاته إلى الاستثمار في قطاعات المستقبل التي تراهن عليها المملكة لتنويع اقتصادها.
ويعد الذكاء الاصطناعي من أبرز المجالات التي قد تعيد تشكيل الاستثمارات اليابانية في السعودية، خاصة مع توجه المملكة لبناء اقتصاد رقمي وتطوير بنيتها التحتية التقنية، فيما تملك الشركات اليابانية خبرات متقدمة في التكنولوجيا والتصنيع والأتمتة، ما يتيح فرص شراكات تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى نقل التقنية وتطوير حلول صناعية متقدمة داخل المملكة.
كما يأتي الهيدروجين والأمونيا ضمن القطاعات المرشحة لنمو التعاون، في ظل توجه البلدين لتطوير سلاسل إمداد جديدة للطاقة منخفضة الانبعاثات، حيث تمتلك السعودية مزايا تنافسية في إنتاج الطاقة بينما تبحث اليابان عن مصادر مستقرة للطاقة النظيفة والوقود منخفض الكربون لدعم تحول اقتصادها الصناعي.
وأوضح توشيهيرو أن التعاون الاقتصادي يشمل أيضاً قطاع الأدوية والأجهزة الطبية، مشيراً إلى أن الشركات اليابانية تمتلك حصة تقدر بأكثر من 50% في توريد أجهزة فحص الدم ونحو 90% من أجهزة الميكروسكوب المستخدمة في الفحص الطبي وفق بيانات أوردها.
كما تعمل اليابان على توسيع التعاون في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات، إلى جانب مشاريع البحر الأحمر والاستثمار في الثروات البحرية، وتتوافق هذه المجالات مع التوسع الكبير الذي تشهده السعودية في مشاريع السياحة والضيافة والمدن الجديدة، مما يتيح للشركات اليابانية فرصاً في الهندسة والتقنيات المتخصصة وإدارة المشاريع والخدمات الصناعية.
وأشار المسؤول أيضاً إلى التعاون المتصل بالاستعداد لمعرض إكسبو 2034، ما يعكس اتساع نطاق العلاقة من تجارة السلع إلى المشاركة في المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة.
يشهد الحضور المؤسسي الياباني في السعودية توسعاً تدريجياً، إذ يتجاوز عدد المنشآت والشركات اليابانية المستثمرة في المملكة 118 شركة ومنشأة، وفق ما ذكره توشيهيرو، كما توجد نحو 18 شركة يابانية حاصلة على تراخيص لإنشاء مقرات إقليمية في الرياض، وهو تطور يعكس أهمية اقتصادية تتجاوز مجرد زيادة في أعداد الشركات.
فالمقرات الإقليمية تعني نقل جزء من وظائف الإدارة والتمويل والتسويق واتخاذ القرار إلى المملكة، ما يمكن أن يعزز النشاط الاقتصادي المحلي ويدعم الطلب على الخدمات المهنية ويزيد فرص توطين المعرفة والوظائف ذات القيمة المضافة.
ومن بين أبرز الشركات اليابانية الحاصلة على ترخيص للمقر الإقليمي في الرياض مجموعة ميزوهو المالية، إلى جانب شركات تعمل في الأمن السيبراني والأدوية والتقنيات الطبية مثل تريند مايكرو وأستيلاس فارما وسيسمكس.
يرى الجانب الياباني أن توسع السعودية في إنتاج وتصدير المنتجات غير النفطية يفتح متسعاً لتعميق الشراكة التجارية، فكلما كثرت المنتجات السعودية القابلة للتصدير أصبح من الممكن توسيع نطاق التجارة الثنائية ليشمل منتجات صناعية وكيماوية وتقنية وخدمات بدلاً من هيمنة النفط والبتروكيماويات على جزء كبير من الحركة التجارية.
ومن شأن هذا التحول أن يجعل العلاقة الاقتصادية أكثر توازناً واستدامة، ويخلق فرصاً أمام الشركات اليابانية للاستثمار في سلاسل إنتاج جديدة داخل السعودية ثم الارتباط بالأسواق الإقليمية والعالمية انطلاقاً من المملكة.
وبخصوص مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي، أكد توشيهيرو أن المناقشات ما تزال جارية حول الملفات المطروحة، وأن الاتفاقية لم تصل بعد إلى مرحلة نهائية تسمح بتوقيعها من الطرفين، مع الإشارة إلى أن التوصل إليها سيكتسب أهمية اقتصادية كبيرة بإمكانه خفض الحواجز التجارية وتسهيل تدفق السلع والخدمات والاستثمارات وتعزيز قدرة الشركات السعودية واليابانية على الوصول إلى الأسواق.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-190826-158

