إقتصاد

ما بعد “مصنع العالم”.. كيف تعيد الصين صياغة نموذجها الصناعي؟

615e11b9 4956 4c34 942e eb830da75815 file.jpg

على مدى أربعة عقود، بنى صعود الصين على صفقة استثنائية مع العالم. قدمت بكين اليد العاملة والإنتاج الضخم، ومع الوقت أنشأت منظومة صناعية فريدة، بينما وفر العالم التكنولوجيا ورؤوس الأموال والأسواق المفتوحة. ازداد ثراء الصين في حين حصلت بقية الدول على سلع أرخص وأعلى جودة.

لكن بحلول منتصف هذا القرن، باتت هذه المعادلة بحاجة إلى تعديل. ليس لأن نموذج التصنيع الصيني فشل، بل لأن نجاحه الكبير جعل الاستمرار بنفس المنوال غير ممكن سياسياً على الدوام.

في السنوات الأخيرة فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية وقيود تصدير، وتبنت الشركات العالمية سياسات لتنويع سلاسل الإمداد بعيداً عن التركيز على مورد واحد. ومع ذلك واصلت الصادرات الصينية النمو لتعويض تباطؤ الاقتصاد المحلي، مسجلة فائضاً قياسياً في السلع بلغ 1.2 تريليون دولار في 2025. لكن الاستمرار بلا نهاية في هذا المسار لم يعد واقعياً.

هيمنة الصين التصنيعية باتت تثير مقاومة متزايدة؛ فالولايات المتحدة تضع عراقيل، وأوروبا تخشى تآكل قاعدتها الصناعية. والدول النامية التي ترحب بالاستثمارات الصينية تتساءل أين موقع تنميتها ضمن هذا النموذج؟

لم تعد الدول تكتفي بشراء السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية والآلات من الصين، بل تطالب بوجود مصانع على أراضيها، وببرامج لتأهيل العمالة، ونقل التكنولوجيا والمعرفة. بينما كانت بكين في السابق تشترط أحياناً نقل التكنولوجيا مقابل فتح أسواقها، فهي اليوم تواجه طلبات لمشاركة خبراتها.

لا يمكن للصين البقاء “مصنع العالم” إلى الأبد في ظل بيئة دولية تتسم بميل للحمائية ومخاوف أمنية. والحل يتمثل في إعادة تعريف دورها: من كونها مصدراً للبضائع إلى أن تصبح مصدراً للقدرات والخبرات الصناعية والتكنولوجية.

لم تعد الميزة الحقيقية للصين في تكلفة اليد العاملة أو الدعم الحكومي فحسب، بل في المعرفة التراكمية داخل أكبر منظومة تصنيع في التاريخ. الخبرات المكتسبة من إنتاج الهواتف طورت صناعة السيارات الكهربائية، وهي بدورها حفزت تقدماً في البطاريات والشرائح والروبوتات.

السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن نقل هذه الخبرة؟ البرازيل وإندونيسيا لا تستطيعان خلق نسخة من شنجن بقرار واحد، لكنهما لا يحتاجان إلى تكرار ثلاثين عاماً من التطور. بإمكانهما الاستفادة مما تعلمته الصين واختصار الزمن عبر استقدام الآلات والمهندسين وخبرات الإدارة الصينية لتأهيل العمالة والموردين المحليين.

هذا التحول جارٍ بالفعل. في البرازيل انتقلت شركة “بي واي دي” من استيراد السيارات إلى تصنيعها محلياً، وفي المجر أنشأت مصانع ومراكز أبحاث بالتعاون مع الجامعات، وفي إندونيسيا تدعم الاستثمارات الصينية بناء صناعة متكاملة للبطاريات ومعالجة النيكل.

ورغم أن هذا قد يبدو تنازلاً أو تدريباً لمنافسين مستقبليين، فإن البديل أسوأ: العالم يرفض الاعتماد المفرط على مورد واحد، وكلما ازداد الاعتماد زادت الضغوط السياسية للتخلص منه.

ينطبق نفس المنطق على سباق الذكاء الاصطناعي. بينما تتصدر الولايات المتحدة الابتكارات الأحدث، دفعت القيود الصين إلى التركيز على كفاءة النشر وخفض التكاليف وتقديم نماذج مفتوحة المصدر. التكنولوجيا التي تحدث تحولاً واقعياً في الاقتصادات ليست دائماً الأكثر تعقيداً، بل الأكثر انتشاراً وقابلية للتكيف وأقل تكلفة للدول النامية. ومن الأمثلة أن عائلة نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة الأكثر تحميلًا في العالم هي عائلة “كوين” التي طورتها شركة صينية.

تجربة الصين تثبت أن الانفتاح ونشر المعرفة استراتيجية اقتصادية ناجحة تخلق أسواقاً واسعة للخدمات والتطبيقات. لكنها الآن تواجه الجانب الآخر من مسار التنمية ذاته.

وفي كلمة ألقاها في شنغهاي خلال يوليو، شدد الرئيس الصيني على ضرورة “مشاركة” تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتمكين الدول الأخرى من الاستفادة بشكل أكثر إنصافاً. وبحلول 2050 لن يُقاس نجاح الصين بما تبيعه فحسب، بل بمدى إسهامها في بناء قدرات ونجاحات للدول الأخرى؛ فالهيمنة تولّد مقاومة، بينما المشاركة تبني شراكات مستدامة.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 9
المصدر الرئيسي : aleqt.com CNN Logo
معرف النشر: ECON-241026-549

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 42 ثانية قراءة