تعيش سوق السيارات الصينية موسمًا قاسيًا وغير مسبوق، إذ أظهرت البيانات الأخيرة تراجع مشتريات المستهلكين بنحو 22% حتى سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتشير تقديرات رابطة صناعة السيارات الصينية إلى أن مبيعات العام بأكمله قد تتوقف عند نحو 18.5 مليون سيارة فقط، مسجلة أسوأ أداء للقطاع منذ عام 2014.
ورغم وجود 143 علامة تجارية للسيارات الكهربائية في السوق، وتوقعات بحدوث تصحيح وغربلة تلقائية للشركات الأضعف لضمان استدامة الصناعة، إلا أن هذه التصفية لم تتحقق، كما قالت ماري بارا، الرئيسة التنفيذية لشركة جنرال موتورز، خلال مكالمة مع محللين في وول ستريت في يوليو الماضي.
وتعود جذور الأزمة، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، إلى التحالف الوثيق بين الحكومات المحلية والقطاع الخاص. فعندما اعتُبرت السيارات الكهربائية أولوية وطنية استراتيجية، ضخّت المدن الصينية مليارات الدولارات لدعم الشركات المحلية على أمل أن تصبح بمثابة “ديترويت العصر الكهربائي”. واليوم، مع تباطؤ النمو السكاني وتحسّن شبكات النقل العام وظهور مركبات الأجرة الذاتية، لم يعد متوقعًا أن تشهد مبيعات سيارات الركاب طفرة مستدامة. ومع ذلك، تتردد السلطات المحلية في التراجع عن خططها التوسعية خشية إغلاق المصانع وفقدان الوظائف والإيرادات الضريبية الحيوية.
وتتجلى الفجوة بين الطموح والواقع في حالة شركة سكاي وورث أوتو؛ في صالة عرضها تبرز مقاطع فيديو تروى قصة مؤسسها الذي نام في المصنع لإطلاقه على طريقة إيلون ماسك، وتعرض خرائط تتباهى بالوجود في 45 دولة إلى جانب أحدث طرازاتها الرياضية. لكن الواقع الميداني صادم، فبينما أعلنت الشركة عام 2021 أن مصنعها قادر على إنتاج 100 ألف سيارة سنويًا، لم تتجاوز مبيعاتها الفعلية داخل الصين 660 سيارة حتى سبتمبر من هذا العام، وتظهر صالاتها في مدن كبرى خالية من الموظفين والزبائن، في حين تواصل الحكومة المحلية، التي تملك حصة 5%، تقديم دعم مالي لتفادي إعلان إفلاسها.
ولفهم جذور هذا التشوه الهيكلي، لا بد من الإشارة إلى تجربة إنقاذ شركة نيو في 2020، حين ضخّت مدينة خفي نحو 700 مليون دولار لإنقاذها وتحويلها إلى ركيزة صناعية.
وأدى هذا النجاح إلى موجة من الصفقات المماثلة بين شركات السيارات الكهربائية المتعثرة والحكومات المحلية، مما عزّز الروابط الإقليمية بين القطاعين الخاص والعام، وفق دراسة أجراها فينج مينج لو من الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا وشياو ما من جامعة بكين.
وتكرر المشهد مع شركة شاومي التي أنشأت مصنع سياراتها في غضون ثلاث سنوات فقط، ما سرّع وتيرة الابتكار التكنولوجي وسباق الشحن السريع للبطاريات بقيادة شركات مثل كاتل وبي واي دي.
لكن المشكلة الحالية تكمن في توقف نمو الطلب الداخلي في مقابل تضخّم الطاقة الإنتاجية التي وصلت إلى نحو 63 مليون سيارة سنويًا، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف قدرة الاستيعاب للسوق المحلية. ونتيجة لذلك، اندلعت حرب أسعار خفّضت الأسعار بنحو 20% منذ بداية 2023، لتتراجع هوامش ربح القطاع إلى مستوى متدني يصل إلى 3.6%. ولم يعد أمام المصنعين سوى خيارين: خفض الأسعار محليًا أو تكثيف التصدير، حيث تتجه الصين لتصدير نحو 12 مليون سيارة هذا العام، متجاوزة اليابان. وتحول الفائض التجاري الكبير الذي كانت تتمتع به ألمانيا في قطاع السيارات مع الصين إلى عجز.
وأصبح هذا المأزق قضية عالمية؛ فمع تشبع السوق المحلية، اندفعت الشركات الصينية نحو الأسواق الخارجية بمنتجات شديدة التنافسية مدعومة بهياكل تكلفة منخفضة للغاية. واقتنصت أكبر خمس شركات صينية نحو 11.7% من مبيعات السوق الأوروبية في سبتمبر الماضي، ما أحدث زلزالًا لدى عمالقة صناعة السيارات التقليديين؛ فقد أطلقت فولكسفاجن برنامج إعادة هيكلة ضخمًا يستهدف تقليص نحو 50 ألف وظيفة، وتستعد بي إم دبليو لخفض 8 آلاف موظف بعد تحذيرات بشأن أرباحها في الصين، بينما تتكبّد ستيلانتس خسائر في أوروبا، في حين تظل الولايات المتحدة السوق الكبرى الوحيدة التي تصدّت لهذا الطوفان بفرض رسوم جمركية مشددة.
وبالمقابل، تبدو بكين عاجزة عن ضبط الفوضى بسبب تضارب المصالح بين التخطيط المركزي وأولويات الحكومات الإقليمية المتمسكة بمصانعها للحفاظ على التوظيف.
ويرى فينج مينج لو، الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية، أن الصين نجحت في معالجة مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة في قطاعي الصلب والألمنيوم خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكن قطاع السيارات يمثل تحديًا أعقد؛ إذ “توظّف مصانع السيارات أعدادًا كبيرة من العمال، كما أنها تشكل جزءًا جوهريًا ومتجذرًا في الاقتصادات المحلية”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 9
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-281026-537

