تمكّن علماء آثار متخصصون في الميكروبات من دراسة أنواع من البكتيريا تعود لأكثر من آلاف السنين، مما أتاح لهم الإجابة عن سؤالين مهمين: لماذا استمرت أوبئة الطاعون طوال هذه الفترة؟ وهل كان مرض الجذام موجوداً في الأميركتين قبل وصول الأوروبيين؟
نشرت مجلة “ساينس” دراستين تتعلقان بهذين المرضين اللذين يُعتبران جزءاً من الذاكرة الجماعية الإنسانية، وهما الطاعون الذي تسبب في “الموت الأسود” في نهاية العصور الوسطى، والجذام الذي ارتبط بالصور النمطية للمرضى المشوهين.
قال عالم الأحياء الدقيقة خافيير بيزارو سيردا، الذي شارك في إعداد الدراسة الأولى، إن فهم بكتيريا الطاعون هو جزء أساسي في تاريخ البشرية، لذا فإن معرفة كيفية انتشار هذه الأوبئة أمر بالغ الأهمية. وتسلط الدراسة الضوء على سبب استمرار كل وباء طاعون لفترات زمنية طويلة عبر التاريخ.
على مدى الألفين سنة الماضية، شهد العالم ثلاث جوائح من الطاعون، بدءًا من “طاعون جستنيان” الذي استمر لمدة 200 عام، مرورًا بالموت الأسود الذي أدى إلى وفاة نحو نصف سكان أوروبا في القرن الرابع عشر، وانتهاءً بالوباء الثالث الذي بدأ في آسيا في القرن التاسع عشر ولا يزال مستمرًا في بعض مناطق إفريقيا اليوم.
تحقق الباحثون في بكتيريا الطاعون “يرسينيا بيستيس” من عصور هذه الأوبئة وجدوا ارتباطاً مشتركاً: في كل حالة، شهدت البكتيريا تطوراً وراثياً أدى إلى تقليل ضراوتها. وعلى الرغم من أنه قد يبدو أن الوباء ينقرض عندما تتناقص خطورة الميكروب، فقد أدى هذا التراجع في الضراوة إلى إطالة مدة بقاء البكتيريا، مما ساعدها على الانتشار بين الأفراد.
أثبت الباحثون هذه النظرية من خلال تجارب على الفئران، حيث استمر المرض لفترات أطول مع انخفاض ضراوة البكتيريا. يُعتبر هذا تقدمًا مهمًا في فهم أوبئة الطاعون، رغم أن الظروف اليوم تختلف كثيرًا بفضل فاعلية المضادات الحيوية.
فيما يتعلق بالجذام، تعاون معهد “باستور” مع جامعة كولورادو لدراسة مئات العينات الأثرية من أميركا الشمالية والجنوبية. وجد الباحثون بكتيريا الجذام في حفريات عمرها 9000 عام، مما يشير إلى أن هذا المرض كان موجودًا في الأميركتين قبل وصول الأوروبيين.
أوضح نيكولا راسكوفان، المختص في علم الجينوم القديم، أن دراستهم توضح وجود شكل من أشكال الجذام في الأميركتين، حيث انتشر في جميع أنحاء القارة. ومع ذلك، يجب توخي الحذر في الربط بين الاستعمار وانتشار المرض، حيث تسبب الأوروبيون في نقل أنواع أخرى من البكتيريا.
تعد هذه الاكتشافات خطوة مهمة في فهم تنوع العوامل المسببة للأمراض، وتساعد في توجيه الأبحاث لمكافحة الجذام وأمراض أخرى.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : باريس: أ.ف.ب ![]()
post-id: 7531f2eb-88dc-4c44-bed1-4e5d8be42ab2

