الإمارات

«منصات» تروّج لـ «محتوى كرتوني» خادش.. ومتخصصون: يدفع أطفالاً لتفاعلات غير سوية

85c284a2 0d50 449e 869a 2afab9c87ccd file.jpg

أعرب أولياء أمور عن قلقهم المتصاعد تجاه محتوى رقمي تبثه منصات تواصل اجتماعي في قالب كرتوني للأطفال يتضمن رسائل خادشة للحياء، ويروّج لمشاهد وتعبيرات تتجاوز وعي الطفل ومرحلته العمرية، بما في ذلك إيحاءات لعلاقات زوجية، وأخرى تدفع نحو أنماط تفاعل غير سوية بين الأطفال. وأشار مختصون تربويون ونفسيون وأسريون إلى أن هذا النوع من المحتوى يمثل خطراً حقيقياً على السلامة النفسية والتربوية للأطفال، لما يخلقه من تشويش مبكر في المفاهيم واختلال قيمي قد يترك آثاراً سلبية عميقة على سلوك الطفل وبنائه النفسي والاجتماعي في المراحل اللاحقة.

وتفصيلاً، أكد ذوو أطفال وطلبة أن المخاوف بشأن محتوى الأطفال على المنصات الرقمية لم تعد مجرد انطباعات فردية أو ملاحظات أسرية عابرة، بل تحوّلت إلى قضية تربوية ونفسية ملحّة، معربين عن قلقهم ومخاوفهم المتصاعدة من الانتشار الواسع لأغانٍ ومقاطع كرتونية تُعرض تحت تصنيف «محتوى أطفال»، وتتضمن رسائل لغوية وسلوكية تتعارض مع منظومة القيم والأخلاق.

ولاحظت بعض الأسر تغيّرات مفاجئة في مفردات أطفالهم أو سلوكياتهم اليومية، دون أن تربطها مباشرة بالمحتوى الرقمي الذي يشاهدونه، ما يجعل الخطر صامتاً ومتراكماً.

تقول (سارة. ع)، أم لطفل يبلغ سبع سنوات: «فوجئنا بترديد ابننا عبارات لا تنسجم مع لغته ولا مرحلته العمرية أثناء اللعب، وبعد المتابعة، تبيّن أن مصدرها أغانٍ كرتونية كان يشاهدها عبر منصة مشاهدة للأطفال، حيث حملت تلك الكلمات إيحاءات غير متوقعة من محتوى موجّه للصغار، ما دفعنا إلى إيقاف المنصة ومتابعة حالته السلوكية مع مختصة نفسية».

ويروي (حمدان. ك)، أب لطالبة في الصف الثالث: «بدت الأغاني الكرتونية التي تتابعها ابنتي عبر منصة أفلام ومسلسلات، بريئة في ظاهرها، قبل أن نلاحظ تغيراً واضحاً في أسئلتها وأسلوب حديثها، ومع تزايد استفساراتها حول علاقات لا تتناسب مع عمرها، أعدنا مراجعة المقاطع لنفاجأ بمضامين تمرَّر بهدوء تحت غطاء الموسيقى والرسوم».

وتؤكد ميادة ياسين، أم لطفلين، أن الخطر لا يكمن في العبارات المباشرة فحسب، بل في الرسائل المبطّنة التي تمرَّر عبر الأغاني الكرتونية، وتعمل على تطبيع سلوكيات وتفاعلات غير سوية بين الأطفال. وتضيف: «احتجنا وقتاً لفهم مصدر التغيّر السلوكي لدى أبنائنا، قبل أن يتبيّن أن المحتوى الكرتوني كان القاسم المشترك».

وطالب ذوو طلبة، بتشديد معايير تصنيف محتوى الأطفال على المنصات الرقمية، واعتماد مراجعة بشرية متخصصة إلى جانب الخوارزميات، خصوصاً للمحتوى الغنائي والكرتوني، داعين إلى إلزام المنصات بالشفافية والمساءلة، وتسريع آليات الإبلاغ، وتحديث أدوات الرقابة الأبوية لمنع مسارات الاقتراح الخطرة.

وأكدوا أن حماية الطفل رقمياً قضية أمن اجتماعي، تستدعي تشريعات فاعلة، إلى جانب إدماج التربية الإعلامية الرقمية في المناهج لتعزيز وعي الأطفال بالمحتوى.

اطلعت على محتوى عدد من الأغاني الكرتونية المتداولة عبر منصتين لمشاهدة الأفلام والمسلسلات (إحداهما مصنفة للأطفال)، في رصدٍ يكشف نمطاً مقلقاً من الخطاب الموجَّه للأطفال، لا يستند إلى أهداف تعليمية أو ترفيهية بريئة، بل يقوم على لغة وتوجيهات سلوكية تتجاوز الخصائص النمائية للمرحلة العمرية للطفل.

وتُقدَّم هذه الأغاني في قوالب كرتونية جذابة، إلا أنها لا تخاطب الطفل بوصفه طفلاً، بل تدفعه إلى تقليد وترديد تعبيرات وسلوكيات لا تنتمي إلى عالم الطفولة، ويتم تمريرها تحت غطاء الموسيقى والرسوم والألوان، كما يركّز بعضها على إيحاءات تتعلق بـ«علاقات بين البالغين»، إلى جانب رسائل أخرى تدفع الأطفال إلى تقليد «أنماط تفاعل غير سوية مع أقرانهم»، بما يثير مخاوف تربوية ونفسية واسعة.

وبفعل قِصر هذه الأغاني وسهولة حفظها وتكرارها، يتفاعل الأطفال معها ويعيدون ترديدها تلقائياً من دون وعي بمضامينها، لاسيما مع ارتباطها بشخصيات كرتونية محببة وسياق يُصنَّف على أنه «محتوى أطفال».

تروي المعلمة (فاطمة.ع): «إحدى طالباتي في الصف الثاني كانت تردد أغنية كرتونية مراراً في الصف، مستخدمة عبارات خادشة لا تتناسب مع عمرها، ما أثار دهشة زميلاتها أحياناً، عند مراجعة المقطع لاحقاً، اكتشفت أنه يحتوي على رسائل وسلوكيات غير مناسبة للأطفال، رغم عرضه تحت تصنيف (محتوى أطفال)، وحذّرت والدي الطالبة بمتابعة ما تشاهده ابنتهما، مؤكدة ضرورة توعية الأطفال ومراقبة المحتوى الرقمي لضمان سلامتهم النفسية والتربوية».

وترى التربوية ريهام عبدالرحمن قباني، أن التعرض المتكرر لمثل هذا المحتوى قد يسبب تشويشاً في المفاهيم السلوكية والأخلاقية لدى الطفل، ويحفز فضول الطفل تجاه بعض أنواع العلاقات قبل أوانه، ويضعف الإحساس بالحدود النفسية.

وأكدت قباني أن الخطر الحقيقي لا يكمن في كلمة أو مشهد واحد، بل في تراكم الرسائل المبطّنة التي تتكرر وتخزَّن في الذاكرة السلوكية للطفل، فالطفل قد لا يفهم المعنى اللغوي، لكنه يعتاد السلوك، ويطبع في وعيه أنماطاً من التعبير والحركة والتفاعل لا تتناسب مع عمره.

من جانبها أوضحت المستشارة النفسية والأسرية هيام أبومشعل، أن الطفل في سنواته الأولى، خصوصاً بين سن 3 و8 سنوات، شديد القابلية للتأثر بما يراه ويسمعه، فالتعلم يحدث أساساً عبر التقليد والتكرار والاستجابة العاطفية. وبالتالي، فإن أي محتوى كرتوني يتضمن ألفاظاً أو سلوكيات لا تتناسب مع قدرة الطفل المعرفية أو نضجه الانفعالي، لا يصبح مجرد ترفيه بريء، بل قد يتحول إلى عامل تشويش يؤثر في بناء القيم وضبط السلوك، ويُربك مفهوم الطفولة الآمنة لديه.

وحول الآثار النفسية المحتملة، تشير هيام إلى أن هذا النوع من المحتوى قد يدفع الطفل إلى تقليد سلوكيات أو مشاهد تفوق مرحلته العمرية، ما يؤدي إلى اضطراب في الفهم الأخلاقي وعدم القدرة على التمييز بين المقبول وغير المقبول. كما يمكن أن يكتسب الطفل ألفاظاً وسلوكيات غير لائقة، ويعيش أدواراً لا تتناسب مع عمره الزمني.

وعن أثر الاعتياد على هذا المحتوى، تحذر هيام من أن التعرض المستمر قد يؤدي إلى تشويه مفهوم الطفولة الآمنة والأمان النفسي الداخلي، ويطبع سلوكيات غير مرغوبة، ويزيد السلوك التقليدي القهري، ويقلل حساسية الطفل تجاه القيم والمعتقدات الصحيحة.

وقالت هيام إن مسؤولية حماية الطفل الرقمي مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التربوية والجهات الرقابية. فالأسرة مطالبة بالمراقبة النشطة للمحتوى، والمشاهدة التفاعلية بدل السلبية، والنقاش المستمر مع الطفل حول ما يشاهده. أمّا المؤسسات التربوية فتحتاج إلى توعية الأهالي، وإدخال برامج التربية الإعلامية، وتنمية التفكير النقدي لدى الأطفال.

في حين يجب على الجهات الرقابية وضع تصنيفات نفسية نمائية دقيقة، ومراقبة المحتوى الموجه للأطفال، ومحاسبة المنصات التي تعرض محتوى ضاراً، لأن المحتوى الكرتوني ليس بريئاً بالضرورة.

أجمعت آراء المختصين في التربية وعلم النفس، أن حماية الطفل من المحتوى الرقمي الضار تتطلب إعادة النظر في تصنيف محتوى الأطفال، بحيث تتم مراجعة الأغاني والرسوم المتحركة وفق الخصائص العمرية والسلوكية للطفل، مع الجمع بين المراجعة البشرية والخوارزميات الذكية لضمان الدقة.

وأكدوا على ضرورة تشديد الرقابة اللغوية والسلوكية على جميع المواد الموجهة للأطفال، لمنع أي محتوى يحمل رسائل أو سلوكيات لا تتناسب مع مرحلة الطفولة، موضحين أن تراكم الرسائل المبطنة يمثل خطراً أكبر من المشاهد الفردية.

ودعوا إلى إلزام المنصات الرقمية بالشفافية والمساءلة، مع تبسيط وتسريع آليات الإبلاغ. كما شددوا على أهمية تطوير أدوات الرقابة الأبوية الذكية.

وأكدوا ضرورة إنشاء فرق متخصصة تضم خبرات تربوية ونفسية وتقنية، تعمل على الرصد المبكر وتقديم توصيات عاجلة بشأن المحتوى الرقمي للأطفال إلى الجهات المعنية.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : محمد إبراهيم – دبي
معرف النشر: AE-250126-752

تم نسخ الرابط!
5 دقيقة و 17 ثانية قراءة