منوعات

سواكن.. مدينة سودانية مر بها ابن بطوطة تُشعل الأساطير

1ed47dea 28cc 4958 9999 be85d34b70d7 file.jpg

على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر تقف سواكن كمدينةٍ من زمنٍ آخر؛ ليست مجرد أطلال تُروى عنها الحكايات، بل موقع يحمل ذاكرةً حية تتداخل فيها الحقيقة بالأسطورة. تقع سواكن جنوب بورتسودان بنحو خمسين كيلومتراً وتقع شرق الخرطوم بمئات الكيلومترات، وتظل على جزيرتها محافظةً على هيبتها رغم مرور الزمن. كانت يوماً أحد أهم الموانئ والمراكز التجارية وحاضنة لقوافل الحجاج والتجار المتصلة بوادي النيل والحجاز واليمن وبلاد بونت.

في عصور المماليك ثم العثمانيين بلغت المدينة ذروة ازدهارها، فكانت بوابة يمر عبرها البشر والبضائع والقصص. لكن ما يميز سواكن ليس فقط دورها التاريخي، بل الهالة الغامضة التي تحيط بها وتغلف مبانيها الحجرية المرجانية بصيغٍ من الغموض والدهشة. جدرانها المتآكلة تبدو وكأنها تهمس بأصوات من مرّوا هنا: تجّارٌ، حجاج، بحّارة، ورحالة تركوا آثارهم في الذاكرة.

تصف الباحثة في الآثار بلسم القارح سواكن بأنها أكثر من موقع أثري؛ إنها مدينة تمشي وتحفظ داخل أزقتها طبقات من التاريخ الشفهي والمكتوب، حتى يخفت الفصل بين الحقيقة والأسطورة في سردها. التجول في شوارعها القديمة يشبه الدخول إلى كتاب مفتوح لا تُقرأ فيه الجدران فقط بل تُسمع.

جزيرة “مسكونة” بالجن؟
في المخيال الشعبي على الساحل لا تُذكر سواكن إلا وتمر معها قصص الجن. يعتقد بعضهم أن الاقتراب من الجزيرة ليلاً قرارٌ مقلق، وأن اسمها نفسه يحمل دلالة قديمة تفيد بأن الكائنات الخفية شاركت في بنائها. من هنا نمت أسطورة تقول إن قصورها المرجانية شُيّدت بقوى غير بشرية، وهي محاولة قديمة لتفسير عمارة تبدو متقدمة على زمنها.

قطط سواكن… حراس الظل
تمرّ القطط في قلب هذا السرد الأسطوري كأنها شخصياتٍ من الرواية نفسها؛ ليست مجرد حيوانات ضالة، بل رموز ارتبطت بها روايات تقول إنّها تجلياتٍ للجن أو على الأقل حراس صامتون لا يغادرون الأزقة، يحمون أسرار المكان بعينيهم اللامعتين في الليل. وحتى اليوم تُعامل القطط هناك بمزيج من الاحترام والخوف الخفيف، كأنها جزء من هوية الجزيرة.

أصوات من الماضي لا تصمت
لا تقتصر الأساطير على الجن والقطط؛ فهناك حكايات عن طيورٍ تظهر وتختفي بطرقٍ غريبة، وثعابينٍ تُحرس الأطلال، إضافةً إلى سيرٍ عن أولياء وكرامات تُروى في المجالس وتنتقل إلى أجيال لاحقة. الباحثون في الآثار والفولكلور يرون أن موضوع “الجن” يشكل الخيط المشترك في كثير من هذه القصص، ما يجعل المدينة تدور في فلكٍ من الغموض الشعبي.

زوار عبر العصور
لم تكن سواكن يوماً مكاناً هامشياً في صفحات التاريخ؛ فقد مرّ بها الرحالة ابن بطوطة ودوّن عنها أوصافه، وذكرها مستكشفون ومسؤولون عبر الأزمنة، ما يعكس مكانتها الاستراتيجية. زائرها يغادر بانطباعٍ واحد متكرر: مدينة لا تشبه غيرها، لا تنسى بسهولة.

ما تبقى اليوم
رغم الهجر والتراجع الذي لحق بها، لا تزال سواكن تقاوم النسيان. الأزقة القديمة لا تزال تحتفظ بصدى خطوات الماضي، والبحر المحيط يهمس بحكاياته مع الرياح. كل حجر هناك يبدو كحيّة تحفظ سراً، وكل نسمة بحر تحمل معها جزءاً من قصة لم تُكمل بعد.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : الخرطوم – خالد فتحي Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-050626-201

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 19 ثانية قراءة