منوعات

مختصون يكشفون أسرار “نسيان الأطفال بالسيارات”

Ac439d13 1707 4084 8fc5 010331511c12 file.jpg

من أوكرانيا إلى فرنسا مرورا بمصر، تكررت خلال الفترة الماضية “حوادث مأساوية” نسي فيها آباء وأمهات أطفالهم داخل السيارات لساعات طويلة، ما أدى في بعض الحالات إلى وفاتهم بسبب ارتفاع درجات الحرارة ونقص التهوية.

ومع تزايد هذه الحوادث حول العالم، تبرز تساؤلات مهمة: لماذا ينسى بعض الآباء أبناءهم داخل السيارات؟ وهل هناك أسباب علمية وراء الظاهرة؟ وكيف يمكن تجنب تداعياتها التي قد تكون قاتلة أحياناً؟ وهو ما يفسره مختصون تحدثوا إلى “العربية.نت” و”الحدث”.

إهمال أم خلل بالذاكرة؟

عادة ما تقابل حوادث “نسيان الأطفال” بصدمة واستغراب، لكن الأمر لا يرتبط دائما بالإهمال أو انعدام المسؤولية، لكن الأمر قد يتعلق أحيانا بآلية عمل الدماغ البشري أكثر مما يتعلق بـ”التعمد”.

ويرى استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، أن الجانب الأكبر وراء نسيان الأطفال يتعلق بـ”إهمال الآباء وعدم تقديمهم الرعاية والاهتمام الكافي للأبناء”.

وقد يركز بعض الآباء على مشكلاتهم اليومية ويتأثرون بالضغوط الحياتية، ما يجعلهم يهملون واجبات تتعلق بأطفالهم، وقد يصل الأمر إلى نسيانهم في السيارات، ما يتسبب في وفاتهم، وفق حديثه لـ”العربية.نت” و”الحدث”.

ويشير فرويز إلى أن بعض هؤلاء الآباء يحتاجون إلى “علاج وتأهيل نفسي”، لأن بعضهم قد يفضل أو يهتم بطفل دون آخر، ويهمل جميع الواجبات الخاصة بالطفل الآخر.

لكن هذه الحوادث يمكن أن تصيب أشخاصا معروفين بالمسؤولية والانضباط، وتشير مراجعات علمية إلى أن غالبية هذه الحوادث تقع نتيجة نسيان “غير متعمد”، وليس بسبب ترك الطفل عمدا داخل المركبة، وذلك نتيجة “خلل مؤقت” في آليات الذاكرة والانتباه لدى الإنسان، أو “فشل الذاكرة المستقبلية”.

ولذلك، يتحدث استشاري الصحة النفسية، الدكتور وليد هنيدي، عن حالة نفسية “غير مقصودة” يفقد خلالها الآباء الإدراك المؤقت بوجود الطفل في المقعد الخلفي للسيارة، رغم معرفتهم المسبقة بوجوده.

ويوضح هنيدي لـ”العربية.نت” و”الحدث”، أن الوفاة داخل السيارات الساخنة تعد السبب الرئيسي لوفيات الأطفال المرتبطة بضربات الشمس داخل المركبات.

ويشير استشاري الصحة النفسية إلى أن مئات الأطفال فقدوا حياتهم بهذه الطريقة خلال العقود الماضية، وهذه الحوادث طالت آباء وأمهات من مختلف المهن والخلفيات، بينهم أطباء وممرضون وضباط شرطة ومعلمون وعسكريون، وهو ما يدعم فرضية أن الظاهرة ترتبط أحيانا ب”خلل مؤقت في الذاكرة” أكثر من ارتباطها بالإهمال المتعمد.

متلازمة “الطفل المنسي”؟

يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “متلازمة الطفل المنسي” (Forgotten Baby Syndrome)، أو ما يعرف علميا بـ”الوفيات الناتجة عن ضربة الشمس في السيارات”.

وهي حالة يُترك فيها طفل في سيارة مغلقة أو شبه مغلقة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الجسم بسرعة فائقة ووفاته بسبب “الإجهاد الحراري”.

والطفل المنسي ليست “متلازمة طبية رسمية “، لكنها تصف حالات يفشل فيها الدماغ مؤقتا في تذكر وجود الأطفال داخل السيارة، نتيجة التوتر أو الإرهاق أو تغيير الروتين اليومي أو الضغوط الحياتية اليومية.

وتحدث الظاهرة عندما يفشل الدماغ مؤقتا في استدعاء معلومة مهمة للغاية، فيسيطر نظام الذاكرة التلقائية المرتبط بالعادات اليومية على السلوك، بينما تتراجع قدرة الدماغ على تذكر المهام غير المعتادة.

وقد يكون الآباء مقتنعين تماما بأنهم أوصلوا أطفالهم إلى الحضانة، بينما يكون الطفل ما يزال في المقعد الخلفي للسيارة.

أرقام صادمة

تشير بيانات الإدارة الوطنية الأمريكية للسلامة المرورية (NHTSA)، إلى وفاة أكثر من ألف طفل داخل سيارات ساخنة في الولايات المتحدة منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2026، بمتوسط يقارب 37 طفلا سنويا.

و52% من وفيات الأطفال داخل السيارات الساخنة حدثت بسبب “نسيان الطفل” داخل السيارة.

بينما وقعت نحو 25% من الحالات بعد دخول الأطفال إلى سيارات غير مغلقة بمفردهم، وقرابة 20% بعد تركهم داخل المركبة عن قصد لفترة قصيرة، وفق (NHTSA).

ونحو 47% من حالات النسيان كان مقدم الرعاية يعتزم توصيل الطفل إلى الحضانة أو الروضة، لكن تغيير الروتين اليومي أدى إلى التوجه مباشرة إلى العمل، وأكثر من 55% من الأطفال الذين توفوا كانوا دون سن الثانية، وهي الفئة الأقل قدرة على تنظيم حرارة الجسم أو طلب المساعدة.

وتظهر البيانات الأميركية أن “الخميس والجمعة” سجلا أعلى معدلات لهذه الحوادث مقارنة ببقية أيام الأسبوع، وهو ما يرجعه الباحثون إلى الإرهاق المتراكم مع نهاية أسبوع العمل.

ما وراء الظاهرة؟

هناك عوامل نفسية وعصبية تزيد من خطر نسيان الأطفال داخل السيارات، أبرزها تغيير الروتين، وقلة النوم، والإجهاد الذهني، والضغوط الحياتية.

ويوضح فرويز أن الذاكرة البشرية ليست معصومة من الخطأ، وقد يستبدل الدماغ الذكرى الحقيقية بـ”ذكرى متوقعة”، مبنية على الروتين المعتاد.

ويعد تغيير الروتين والعادات اليومية السبب الأكثر شيوعا للظاهرة، حيث يتراجع نشاط الذاكرة الواعية المسؤولة عن المستجدات والتفاصيل غير المعتادة، حسبما يضيف استشاري الطب النفسي.

ويقول فرويز: “إذا كان أحد الوالدين لا يتولى عادة توصيل الطفل، ثم قام بذلك في يوم استثنائي، فقد يتبع الدماغ المسار المعتاد ويذهب مباشرة إلى العمل”.

ويشير فرويز إلى أن الاعتماد على “الذاكرة التلقائية” سبب آخر للظاهرة، فعندما يكرر الإنسان النشاط نفسه يوميا، يزيد احتمال تجاهل التفاصيل غير المعتادة.

من جانبه، يوضح هنيدي أن الأسباب متداخلة، ومنها الإجهاد الذهني والجسدي، وقلة النوم، واضطرابات الساعة البيولوجية، قد تكون وراء “متلازمة الطفل المنسي”.

ويشير إلى أن التشتت والشرود والانشغال بالمكالمات أو المشكلات اليومية والتركيز على أمور مستقبلية بدلا من اللحظة الحالية، قد يضعف الانتباه ويؤثر في الذاكرة.

ويضيف أن الإرهاق وقلة النوم وضغوط العمل والانشغال الذهني جميعها عوامل تؤثر في قدرة الدماغ على تذكر المهام غير الروتينية.

نصائح للوقاية

يوصي المختصون الآباء بـ”وضع روتين يومي منتظم، والحصول على قدر كاف من النوم، وتجنب الإرهاق الشديد”.

كما ينصحون بعدم الاعتماد على الذاكرة وحدها، واستخدام وسائل تذكير خارجية، مثل أنظمة التنبيه الموجودة في السيارات الحديثة أو تطبيقات الهواتف الذكية.

ويوصي الخبراء أيضا بوضع الهاتف المحمول أو حقيبة العمل أو بطاقة التعريف الشخصية بجوار الطفل في المقعد الخلفي، بحيث يضطر السائق إلى فتح الباب الخلفي عند الوصول.

كما يمكن وضع حقيبة الطفل أو لعبته المفضلة في المقعد الأمامي لتبقى في مجال الرؤية طوال الرحلة.

وتوصي الإدارة الوطنية الأميركية للسلامة المرورية (NHTSA) كذلك بالتأكد من فتح الباب الخلفي للسيارة في نهاية كل رحلة، حتى في الأيام التي يعتقد فيها السائق أنه لم يصطحب طفل.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : الرياض: وائل الغول Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-260626-852

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 36 ثانية قراءة