بينما تراهن وول ستريت والشركات الكبرى على أن الذكاء الاصطناعي سيطلق موجة إنتاجية جديدة، يتساءل اقتصاديو المعلومات: ماذا لو أدت وفرة المعلومات الرخيصة إلى أسواق أكثر ضجيجاً وأقل قدرة على التمييز بين الجيد والرديء؟ ترى فايننشال تايمز ضمن نشرة Free Lunch أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة إنتاجية بل “تقنية معلومات” تخفض تكلفة جمع ومعالجة وإنتاج البيانات إلى مستويات غير مسبوقة، ما قد يغير طريقة عمل الأسواق نفسها.
تضخ الشركات الكبرى مئات المليارات في بنية الذكاء الاصطناعي؛ خطط الإنفاق الرأسمالي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في 2026 تقترب من 600 مليار دولار، ما أثار قلق المستثمرين بشأن العائد ومخاوف من تهديد نماذج أعمال شركات البرمجيات التقليدية، وفق رويترز.
من “سوق الليمون” إلى سوق المعلومات الزائدة: تستند زاوية فايننشال تايمز إلى نموذج جورج أكيرلوف “سوق السيارات المعيبة”؛ عندما يعرف البائع جودة السلعة أكثر من المشتري يهبط السعر، فتختفي السلع الجيدة. قد يساعد الذكاء الاصطناعي على كشف الجودة، لكنه قد يفاقم المشكلة إذا غرق السوق بمحتوى متشابه ومصقول وسهل التوليد، فتتحول المعضلة من نقص المعلومات إلى صعوبة معرفة المعلومة الموثوقة.
الشهادات والسير الذاتية تفقد قيمتها كإشارات: في اقتصاديات المعلومات، الإشارات كالشهادات أو الخبرة تساعد على التمييز. لكن إذا أتيح لكل طالب أو متقدم إنتاج أعمال ومراسلات مصقولة عبر نماذج لغوية، تفقد الإشارة جزءاً من معناها. ذكرت وول ستريت جورنال أن استخدام المرشحين لأدوات الذكاء الاصطناعي دفع بعض الشركات للعودة إلى المقابلات الشخصية، ووصفت بيزنس إنسايدر حلقة “ذكاء اصطناعي مفرغة” في التوظيف تزيد الطلبات وترهق مسؤولي التوظيف وتدفع لاعتماد مزيد من فرز الآلي.
سوق العمل أسرع لكنه ليس بالضرورة أفضل: تستخدم شركات مثل Capita أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي طورت مع Salesforce لتقصير عمليات التوظيف من أسابيع لساعات، بحسب رويترز. غير أن نظرية تكاليف البحث (نوبل 2010 لدايموند ومورتنسن وبيساريدس) تشير إلى أن انخفاض تكلفة التقديم قد يزداد الطلب أسرع من قدرة السوق على الفرز، ما يؤدي إلى ضجيج أعلى وفرز أطول وإشارات أقل موثوقية.
من معلومات أكثر إلى ثقة أقل: في الأسواق المالية قد يسرع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي انتشار الشائعات والمعلومات الكاذبة. حذرت دراسة بريطانية من أن هذه الأخبار قد تزيد خطر السحوبات الجماعية من البنوك، وبيّن بنك إيطاليا أمثلة عن مقاطع ديب فيك تُظهر محافظ البنك فابيو بانيتا يروج لمنتجات استثمارية. كذلك ظهرت دعاوى “غسل الذكاء الاصطناعي” في قضايا الأوراق المالية، وركزت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية على إساءة استخدام المصطلح.
الخوارزميات قد ترفع الأسعار: المعلومات الأفضل عادة تعزز المنافسة وتخفض الأسعار، لكن خوارزميات تسعير متشابهة أو مصادر تقنية مشتركة قد تحول الشفافية الزائدة إلى تنسيق ضمني. بدأت السلطات الأميركية تنظر إلى مخاطر “التواطؤ الخوارزمي”. في إحدى القضايا توصلت وزارة العدل إلى تسوية مع RealPage بشأن اتهامات بمساعدة ملاك عقارات على تنسيق الأسعار، ووافقت الشركة على قيود في جمع واستخدام البيانات.
المفارقة: الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية—تقديرات غولدمان ساكس تلمّح إلى زيادة نمو عالمي بنحو 7% على المدى الطويل وتعريض ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل للأتمتة—لكن إنتاج المعلومات بسرعة أكبر لا يعني بالضرورة أسواقاً أكثر ثقة أو كفاءة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : CNBC Arabia ![]()
معرف النشر : BIZ-040726-662

