ثقافة وفن

بين الذاكرة والمنفى.. آرثر آليكسانيان يبحث عمّا تبقى

B9b6486f 0a11 4224 b280 e3ed560d4a53 file.webp

بين الذاكرة والمنفى.. آرثر آليكسانيان يبحث عمّا تبقى

منذ انطلاقه في مغامرة الكتابة، كهلاً، جعلَ الكيمياوي والمهاجر المتواصل آرثر آليكسانيان من الذاكرة والمنفى والهوية متكآت صلبة، ومادة أساسية لمشروعه الإبداعي. وقد بدأ هذا المشروع هو الآخر من رحلة، كتللك الرحلات التي ميزت حياته منذ الطفولة: رحلةُ من لم يعُد له وطن.

يحاول الكاتب اكتشاف ذاته ليجد مستقراً، لا كجغرافيا بل كهوية، فهو المولود في بلدة “لاتروش” المحاذية لغرينوبل بفرنسا، في السادسة والنصف من صباح الأربعاء 15 يوليو 1942، من أبوين أرمينيّين، “كانا من بين الوجبات الأولى للمهاجرين (المُهجّرين) الأرمن واللذين كانا يهابان الكلام بالفرنسية، لا لعجزٍ في نُطقها، بل لخوفٍ من انكشاف هويتهما”، كما يكشف الكاتب.

في طفولة الشتات هذه جاءت هجرته الأولى، في سن الخامسة من غرينوبل إلى فينيسيا، إلى الدير الأرمني الذي يحتضن مدرسة ابتدائية كان خاله الراهب معلّماً فيها.

أما هجرته الثانية فكانت في عام 1970 حين سافر إلى الجزائر للعمل كيمياوياً لدى إحدى شركات البترول الكبرى. ولم تكن تلك الرحلة للعمل فحسب، بل خطوة للانغماس في الأجواء الجزائرية كما لو أنه يبحث فيها عن أرمينيا التي لم يعثر عليها لا في غرينوبل ولا في فينيسيا. لذا نراه منغمساً في الحياة الجزائرية عبر موشور السينما وصديقاً لبوجمعة كارش، مؤسّس “سينماتك الجزائر”، تلك المدينة التي كانت تستقبل آنذاك العديد من المنفيين واللاجئين السياسيين القادمين من بلدان مختلفة، من تشيلي وغانا وغيرهما من الأوطان التي شهدت اضطرابات سياسية.

ومن الجزائر حطّ رحاله في فلورنسا في الثمانينات حيث تزوّج فتاة كانت هي الأخرى نتاجَ شتاتٍ ومنافٍ عدّة، وأبوين من أصول مهاجرين إيطاليّين إلى الأرجنتين، اضطُرّا إلى هجرة معاكسة إلى فلورنسا؛ وبدا اللقاء بين آرثر آليكسانيان وزوجته الأولى ماريّا جينا دلالة على أن للحياة جاذبيات مغايرة لجاذبية المغناطيس، إذ ليس كل المتشابهات نافرة بعضها من بعض، وأن في الكثير منها تجاذبات تصل إلى حدّ التوحّد.

عرفتُ آرثر آليكسانيان قبل ما يربو على أربعين عاماً حين التقى وَلَدَينا في المدرسة الابتدائية، ومنذ اللحظة الأولى شكّلت التشابهات العديدة بيننا روابط حيوية، ومن بينها المنفى والترحال المفروض والمتواصل، وحب المسرح، وتعدد اللغات والهويات المتشابكة، لكن اكتشافه كاتباً كان مفاجأة جميلة لي.

جاءته الكتابة، أو بالأحرى جاءتته الرغبة في النشر، كهلاً بعد أن عاش ردحاً طويلاً غادياً وعائداً بين لغاتٍ وبيئات وثقافات عدّة، حاملاً معه أسئلة الانتماء والاقتلاع والنجاة التي طبعت تاريخ شعبه وتجربته الشخصية، قبل أن يستقر به المقام في إيطاليا ويكتب بلغتها.

ظل آرثر آليكسانيان يعود في كتبه السابقة، من “الطفل ورياح أرمينيا” إلى “الزمن المعلّق”، إلى الذاكرة الأرمينية بوصفها مساحةً للسرد والتأمل ولمقاومة النسيان. أما في روايته الجديدة “ما يتبقّى”، وهي كتابه السادس (أربع روايات وديوانان شعريان)، فإنه يقترب للمرة الأولى من سيرة شخصية أخرى، امرأة جورجية عاشت انهيار الاتحاد السوفييتي وما خلّفه من تشظٍّ في اللغة والهوية والحياة.

في هذا العمل، الذي يتقاطع مع مصائر كثير من نساء أوروبا الشرقية بعد انهيار المنظومة السوفييتية، لا يكتفي آليكسانيان بالحديث عن الانقسام بين البلدان أو الثقافات، بل يذهب إلى ما هو أعمق: الانقسام داخل الإنسان نفسه، بين الجسد والروح، بين ما كانه وما أصبح عليه، وبين ما فقده وما بقي منه.

يقول آليكسانيان إن هذا الكتاب “يواصل إلى حد ما، الأسئلة التي طرحتها في كتابي “الزمن المعلّق”. فجوهر الرواية يتمحور حول ذلك الانقسام القائم بين الجسد والروح، وهما يسيران معاً دون أن يكونا في انسجام على الدوام“.

بطلة الرواية امرأة من القوقاز، من جورجيا، درست باللغة الروسية حتى أصبحت طبيبة، وعاشت سنوات تكوينها المهني والشخصي في اللحظة نفسها التي كان فيها العالم السوفياتي ينهار.

يتوقف الكاتب عند ما جرى في جمهوريات القوقاز، وخصوصاً في جورجيا، حيث لم يكن التحول سياسياً فحسب، بل كان أيضاً تحوّلاً عنيفاً في اللغة والهوية. فاللغة، كما يقول، “هي الهوية في جوهرها، ونحن جميعاً ندافع عن لغاتنا بوصفها جزءاً من وجودنا. الشخصية الراوية تعيش تلك اللحظة الدرامية فيما ينهار الاقتصاد والصناعة ومؤسسات الدولة. تنال البلاد استقلالها وحريتها، لكن، في ذات الوقت، تتهاوى منظومة العمل وتنهار الأجور والرواتب وتزداد الحياة اليومية صعوبة”.

وبعد أن كانت البطلة قد بنت حياتها الدراسية والمهنية باللغة الروسية، تجد نفسها فجأة في مواجهة واقع جديد يعتبر كل ما هو روسي مرفوضاً. تغلق المستشفيات الروسية في جورجيا، وتصبح فرص العمل شبه مستحيلة، فتجد المرأة نفسها مضطرة، مثل كثيرين غيرها، إلى الهجرة نحو الغرب.

هكذا ينشأ انقسام مزدوج. الانقسام الأول يحدث داخل المجتمع السوفييتي السابق نفسه، أما الثاني فيبدأ مع الرحيل إلى الغرب، إلى لغة أخرى وثقافة أخرى وعالم مختلف تماماً.

لكن الوصول إلى الغرب لا يضع حداً للأزمة، بل يفتح فصلاً جديداً منها. فإذا كان الانقسام الأول قاسياً ومفاجئاً لأن كل شيء انهار دفعة واحدة، فإن الانقسام الثاني أكثر هدوءاً لكنه لا يقل عمقاً. هناك تفقد الشخصية جزءاً من هويتها المرتبطة باللغة الروسية والعالم السوفياتي بكل ما كان يمنحه من يقين في الحياة والعمل والعلاقات.

وفي المقابل، يقول آليكسانيان: “لا تستطيع هذه المرأة أن تجد لنفسها مكاناً كاملاً داخل الغرب. تشعر بأنها عاجزة عن الإمساك بطريق واضح، أو تحديد اللغة التي يمكن أن تستقر فيها روحها. يزداد ارتباطها ببلدها الأم وباللغة الجورجية، لكنها لا تنجح في الاندماج الثقافي أو الروحي أو حتى الجسدي في العالم الغربي. ومع انتقالها بين بلدان أوروبية مختلفة تتكشف هذه الصعوبة بصورة أكثر وضوحاً”.

وفيما ارتبطت أعمال آليكسانيان دائماً بذاكرته الشخصية وبالهوية الأرمينية، فإن رواية “ما تبقّى” تمثل تجربة مختلفة. هنا، كما يقول، لا يكتب عن نفسه، بل عن شخص آخر. ومع ذلك يرى أن هناك خيطاً خفياً يربط بين هذه الرواية وكل ما كتبه سابقاً. “إن الناجي من البحر أو الناجي على اليابسة يظلان، بطريقة ما، قريبَين من صورة الناجي الأرميني التي رافقتني في كتبي”.

ويضيف: “حاولتُ الاقتراب من هذه الشخصية الأخرى، والخارجة عنّي، بأقصى درجات الرقة والتعاطف. إذْ لم يكن بمقدوري إنجاز الرواية دون ذلك التعاطف والحب، فهما ما أعاناني على وصف الأشياء بصورة طبيعية وعلى ترجمتها أدبياً دون افتعال”.

ومن هنا أيضا جاء عنوان الرواية: “ما يتبقى”، ويقول: “ما يتبقى بعد كل شيء ليس حكراً على هذه الشخصية وحدها، بل هو تساؤل يخصنا جميعاً: ماذا يتبقى من الإنسان بعد التحولات الكبرى؟ كيف يستطيع المرور عبر الانكسارات المتتالية دون أن يفقد جوهره أو كرامته؟”؛ وبالنسبة لآليكسانيان فإن ما يتبقى “هو ذلك الجزء الجوهري من الوجود، القادر على مواصلة الحياة رغم كل ما تغيّر”.

وعندما أستعين بعنوان روايته الأخرى “الزمن المُعلّق”، لأسأله إن كان هذا الكتاب يمثل “زمناً معلّقاً” جديداً، يجيب مبتسماً: “نعم، بطريقة ما، نعم”.

ويكشف غلاف الكتاب الجديد جانباً آخر من رؤية الكاتب. فالمرأة المُصوّرة في لوحة الغلاف تُرى من خلف ظهرها، فيما يمتدّ شق طويل عبر جسدها من الأرض حتى قمّة الرأس، ويقول: “بالنسبة لي، لم يكن هذا اختياراً جمالياً فحسب، بل تعبيرٌ عن حالة الشخصية نفسها. إنها امرأة تبحث باستمرار عن طريقها، تتوقف أمام أكثر من احتمال، ثم تمضي في اتجاه جديد”.

ويضيف بابتسامة أنه هو نفسه من صمّم الغلاف بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وبأنه أصبح، بهذه الطريقة، فناناً أيضاً. لكنه يؤكد بأن “الشقّ الذي يخترق الجسد بطوله ليس مجرد جرح، بل سلسلة لا نهائية من الانكسارات التي تبدأ من الأرض وتصعد إلى الرأس. إنها كسور الحياة نفسها، وقد ترمز أيضاً إلى جبن العالم المحيط بها أكثر مما ترمز إلى ضعف الشخصية ذاتها”. ويضيف: “إن تلك المرأة واقفة. مصابة، نعم، لكنها منتصبة القامة بكرامة. وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي لما يتبقّى”.

وفي حديثه عن الجانب اللغوي للرواية، يوضح أن المادة الأساسية التي استند إليها وصلت إليه باللغة الأرمينية، “فكل الحكايات والاعترافات التي سمعتها نُقلت إليّ بهذه اللغة، وأعترف بأن الأرمينية بالنسبة إليّ ليست مجرد لغة، بل وترٌ داخلي يهتز باستمرار، ويصبح جزءاً من عملية التعاطف نفسها”.

ويتابع: “لذلك لم تكن الصعوبة في ترجمة المشاعر، بل في نقل تعابير الوجه والذاكرة وطريقة الكلام إلى لغة أخرى هي الإيطالية. وقد حاولتُ أنْ أفعل ذلك بأقصى قدر من الحذر والدقة”.

أما عن مستقبله الكتابي، فيبدو أن آرثر آليكسانيان يميل اليوم إلى الاستماع إلى قصص الآخرين أكثر من العودة إلى قصته الشخصية. ويعترف بصراحة قائلاً: “أنا في صراع مع ذاتي”. ويأمل أن ينتهي هذا الصراع يوماً ما، “لكن طالما بقي قائماً فلن يكتب عن نفسه من جديد، أو على الأقل لن أكتب سيرتي الذاتية، بل سأُواصل كتابة قصص الآخرين”.

وربما يكون ذلك شكلاً آخر من أشكال اكتشاف الذات. فهو يوضح أنه، حتى في كتبه الأولى، كان دائماً يجعل الآخرين يتحدثون. كان والده يتحدث، وكانت الشخصيات المختلفة تتحدث، وإن كان ذلك يتم دائماً عبر منظوره الشخصي.

يقول: “إن خصوصية هذا الكتاب، في رأيي، تكمن في أنه مكّنَني للمرة الأولى تقريباً، بالدخول إلى شخصية أخرى دون إزعاجها أو فرض نفسي عليها، وبالحفاظ على مسافة دقيقة بين الكاتب وصاحبة الحكاية”.

وعندما أعود إلى الحديث عن ذلك “الصراع مع الذات”، يبدو التردد واضحاً في إجابته. يصف السؤال بأنه صعب، ثم يحاول تفسير ما يشعر به. يوضح “فقدت بعض خيوط التواصل مع ذاتي السابقة، وربما يعود ذلك إلى التقادم في العمر أو إلى نوع من الهشاشة الداخلية التي لم أتعرّف بعد على مصدرها بدقة”.

ما يعرفه فقط هو أن ذاته العميقة “أصبحت أرضاً مجهولة تحتاج إلى إعادة اكتشاف. وقد أبدو كمن هو بحاجةٍ إلى رحلة جديدة لأتعرّف عليها من جديد. في الماضي كنت قادراً على العودة بسهولة عبر الذاكرة إلى قصتي وإلى تاريخ عائلتي، أما اليوم فأشعر بأنّ الأمر أصبح أكثر صعوبة، وكأن شيئاً ما قد تغيّر”.

ويختم: “لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بمراجعة اليقينيّات السابقة، بل أن المشكلة، بالنسبة لي، أعمق من ذلك. فالعالم نفسه بدأ بالتلاشي من حولي. وصار أكثر ضبابية وابتعد ولم أعُدْ قادراً على الإمساك به لا بيديّ ولا بعقلي”.

ما يزال عالم آرثر آليكسانيان موجوداً، لكنه يبدو بعيد المنال، أو يصعب الوصول إليه. وربما تولد الحاجة إلى الكتابة، والبحث عمّا يتبقى من هذا الشعور بالذات، ومن البون المتزايد ما بين الإنسان والعالم.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : عرفان رشيد Asharq Logo
معرف النشر : CULT-060726-99

تم نسخ الرابط!
7 دقيقة و 47 ثانية قراءة