أسلوب حياة

هل ترى بعض النساء ألواناً لا يراها الآخرون؟

93739186 6715 4973 802c 92886f3498b0 file.jpg

هل ترى بعض النساء ألواناً لا يراها الآخرون؟

تقول الفنانة التشكيلية، كونشيتا أنتيكو، إن اللحظة التي أدركت فيها أن طلابها لا يستطيعون رؤية الألوان التي تراها كانت بمثابة “صدمة”. وتوضح أنها ترى “عدداً لا يُحصى من الألوان” في الأشياء اليومية، مثل الظلال، بينما يرى معظم الناس لوناً واحداً فقط.

وتضيف أنها كانت تفترض أن الجميع يرون العالم كما تراه، إلى أن اكتشفت من طلابها أنهم لا يرونه كذلك. وتتذكر قائلة: “سألت بعضهم لاحقاً: ‘لماذا لم تُخبروني بشيء؟” قالوا: “حسناً، أنت المعلمة. لقد افترضنا… أنك تمارسين شيئاً فنياً””. ثم علمت أنتيكو لاحقاً، من خلال الفحص الجيني، أنها تمتلك القدرة البيولوجية المسماة tetrachromacy وتعني “الرؤية رباعية الألوان” – وهي نوع من الرؤية اللونية المُحسّنة – والتي قد تُمكّن الفرد من رؤية ألوان لا يراها الآخرون.

يوجد لدى معظم الناس ثلاثة أنواع من الخلايا المُتخصصة في العين تُسمى “المخاريط” أو “الخلايا المخروطية”. ويُنشَّط كل نوع منها بواسطة مجموعة من الأطوال الموجية المختلفة للضوء، والتي تتوافق تقريباً مع الأحمر والأخضر والأزرق. ثم تُرسل الخلايا المخروطية إشاراتها إلى الدماغ، ويعتمد اللون المُحدد الذي نراه على مُركب الإشارات التي يتلقاها الدماغ من الخلايا المخروطية المختلفة.

لكن قد يمتلك بعض الأشخاص نوعاً رابعاً من الخلايا المخروطية. نظرياً، قد يعني هذا أن دماغهم يتلقى معلومات أكثر – وأكثر تنوعاً – ما قد يعزز حساسية الألوان عبر طيف الضوء المرئي.

يوجد الجينان المسؤولان عن ترميز الخلايا المخروطية الحساسة للونين الأحمر والأخضر على الكروموسوم إكس. ولكي يكون الشخص “رباعي الخلايا المخروطية” ويتمتع برؤية رباعية للألوان، يجب أن يحمل ويُعبّر عن متغيرين مختلفين لأحد هذين الجينين. وبما أن النساء لديهن كروموسومان إكس، بينما يمتلك الرجال عادة كروموسوماً واحداً فقط، فإن النساء البيولوجيات فقط هن من يمكنهن عموماً أن يمتلكن رؤية رباعية الألوان. أما عند الرجال، فإن نفس المتغير الجيني غالباً ما يؤدي إلى شكل من أشكال القصور في رؤية الألوان.

ويُطلق على امتلاك نوع رابع من الخلايا المخروطية اسم tetrachromacy retinal أو “رباعية الألوان الشبكية (نسبة إلى شبكية العين)”، ويمكن للاختبارات الجينية تحديد الأشخاص الذين يحملون الأنواع الجينية التي تُنتج الأنواع الأربعة. وتشير التقديرات إلى أن حوالي 12 في المئة من النساء يمتلكن هذه القدرة الجينية، وفقاً لمشروع “رباعية الألوان” في جامعة نيوكاسل في بريطانيا، مع أن الأبحاث تُشير إلى أن هذه النسبة قد تختلف بين المجموعات السكانية.

لكن امتلاك خلية مخروطية إضافية لا يعني بالضرورة أن الشخص يتمتع برؤية ألوان مُحسّنة. وتُسمى هذه الحالة “رباعية الألوان الوظيفية”، وفقاً للدكتورة كيمبرلي إيه جيمسون، من مركز برونسون لأبحاث الرؤية التطبيقية التابع لجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وهي حالة يصعب إثباتها.

مع ذلك، توجد أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذه القدرة الجينية قد تُؤدي إلى تحسين رؤية الألوان بالفعل. فقد وجدت إحدى الدراسات التي أجرتها جيمسون أن النساء اللواتي يمتلكن أربعة أنواع من الخلايا المخروطية قادرات على تقسيم طيف الألوان إلى درجات أكثر تبايناً، ما يشير إلى أنهن قد يدركن مظاهر الألوان بشكل أكثر وضوحاً مقارنة بالأشخاص ذوي الخلايا المخروطية ثلاثية الألوان.

وتوجد أدلة من عالم الحيوان أيضاً. ففي بعض أنواع قرود العالم الجديد – وهي فصائل من القرود موجودة في أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية – يكون الذكور ثنائيي اللون، أي يمتلكون نوعين من الخلايا المخروطية، بينما تكون الإناث ثلاثية اللون، أي تمتلك ثلاثة أنواع. وقد لاحظ العلماء أن القرود ثلاثية اللون تأكل الفاكهة الحمراء بسرعة أكبر من ثنائيي اللون، ما يشير إلى أنهم قد يرون اللون بشكل أوضح.

وإذا طُبق هذا على البشر ذوي الرؤية رباعية الألوان، فقد ترى النساء اللواتي يمتلكن النوع الإضافي من الخلايا المخروطية الألوان بشكل مختلف، وفقاً للدكتورة جيني بوستن، عالمة الأعصاب البصرية في جامعة ساسكس في بريطانيا. لكن كيف سيبدو هذا الأمر لا يزال محل نقاش.

يقول الدكتور مايكل نيوال، أستاذ الفلسفة بجامعة أديلايد في أستراليا، إن هناك اتجاهاً فكرياً مفاده أنه إذا كان لديك مُستقبِل لوني إضافي، فقد ترى ألواناً لا يمكن وصفها، تماماً كما لا يمكننا أن نوضح لشخص مصاب بعمى الألوان كيف يبدو اللون الأحمر أو الأخضر إذا كان مصاباً بعمى الألوان الأحمر- الأخضر. ويضيف: “ثمة احتمال آخر… ربما يكون الأمر مجرد أنهم قادرون على رؤية تدرجات أدق للألوان العادية”.

يُعدّ التقييم العلمي للألوان التي يراها الناس أمراً صعباً. وتقول الدكتورة جيني بوستن: “من المستحيل قياس حتى التجربة الذاتية العادية للألوان، حتى في حالة الرؤية الثلاثية”. وتضيف الدكتورة كيمبرلي إيه جيمسون أن الأمر يزداد تعقيدًا بسبب وجود أنواع عديدة من الرؤية الرباعية، مع احتمال وجود تباين كبير بحسب حساسية نوع الخلايا المخروطية الإضافية.

لكن تحليل أمور مثل مدى قدرة الناس على التمييز بين الألوان، أو كيفية تقييمهم للاختلاف بين درجاتها، يمكن أن يساعد الباحثين على فهم الاختلافات في كيفية رؤية الناس، كما تقول بوستن.

تقدم بعض المواقع اختبارات للرؤية رباعية الألوان عبر الإنترنت، لكن الخبراء يقولون إنه من المستحيل التعرف على الشخص ذي الرؤية رباعية الألوان بهذه الطريقة. وتحتوي معظم الشاشات الحديثة على ثلاث قنوات لونية فقط – الأحمر والأخضر والأزرق – ما يعني أنه حتى لو كان أصحاب الرؤية رباعية الألوان قادرين على رؤية ألوان جديدة، فمن المرجح ألا يتمكنوا من رؤيتها بوضوح على الشاشة.

ورغم أن ذلك يجعل الاختبار صعباً، فإن ملاحظة اختلافات ثابتة بين الألوان التي تراها في الواقع وتلك التي تراها على الشاشات قد يشير إلى وجود “الرؤية رباعية الألوان”، وفقاً لنيوال. كما تقول جيمسون إن من المؤشرات الأخرى أن يلاحظ الشخص باستمرار أن إدراكه للألوان يبدو مختلفاً عن إدراك الآخرين، مضيفة: “لديهم وعي عميق… منذ صغرهم، كان لديهم إدراك للألوان أكثر حدة وحساسية (من غيرهم)”.

ومن الأمور المثيرة للاهتمام أيضاً، التي قد تشير إلى أن شخصاً ما قد يكون من ذوي الرؤية رباعية الألوان، هي الحساسية الشديدة تجاه ضوء مصابيح LED القاسي، مقارنة بالألوان الأكثر دفئاً. وتقول: “النساء ذوات الرؤية رباعية الألوان… لا يستطعن تحمل المصابيح التي لا تحتوي على مكون قوي من الموجات الطويلة”. “سيجادلن مع زميلاتهن في السكن قائلات: لا أطيق هذا الضوء، لا أطيق أنابيب الفلورسنت هذه، إنها تُشعرني بالتعاسة والغثيان”.

كما أن الأشخاص الذين يعاني آباؤهم من شكل خفيف من عُسر التمييز بين الألوان (عمى الألوان)، هم أيضاً أكثر عرضة لأن يكونوا رباعيي الألوان. ولكن، على الرغم من أن هذه الأمور قد تُعطي بعض الدلائل، إلا أن الاختبار الجيني والدراسة المخبرية يُعدان مؤشرين أكثر موثوقية.

هناك أمر آخر لا يزال الباحثون لا يفهمونه بشأن رباعية الألوان، وهو ما الذي يحول “رباعية الألوان الشبكية” إلى “رباعية الألوان الوظيفية” أو الرؤية المحسنة للألوان، إن كان هناك شيء من هذا القبيل. وتقول الدكتورة جيني بوستن: “هل يحتاجون إلى نوع محدد للغاية من الخلايا المخروطية؟ أم أن الأمر يتعلق بكيفية تعلمهم استخدام هذه الإشارات؟”، مشيرة إلى أن الأمر قد يكون مرتبطاً أيضاً بمرونة أجزاء أخرى من الجهاز البصري. وتضيف: “هناك احتمال آخر، وهو أنهم قد يحتاجون إلى استخدام تلك الإشارات اللونية في أمور ذات صلة في حياتهم (اليومية)، حتى يتمكنوا من تطوير القدرة على تمييزها”.

وتعتقد الرسامة أنتيكو أن هذا ما حدث لها. تقول: “قد طورت قدرتي على تمييز الألوان. لذا فهي أشبه بعضلة”. “أنا رسامة منذ صغري… لذا فقد أمضيت ما يقارب من 100 ألف ساعة في مزج الألوان. أفعل ذلك يومياً، طوال الوقت”.

ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت رباعية الألوان الوظيفية موجودة أم لا. وتصف بوستن فكرة امتلاك بعض الأشخاص رؤية ألوان إضافية بأنها “ادعاء جريء”. لكنها تقول إنه في غياب “تجربة مثالية”، “نحاول فقط جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات من اختبارات ودراسات حالات مختلفة، وبمجرد تجميعها، نقول: “حسناً، الأدلة ترجح هذا الخيار إلى حد كبير”.

ولا تدع الرسامة أنتيكو شكوك الآخرين تُثبط عزيمتها، وتقول إنها “محظوظة” لوجود هذا المتغير الجيني لديها. وتقول: “من المذهل أنني أستطيع رؤية أشياء لا يستطيع الآخرون رؤيتها. لقد جعل هذا حياتي رائعة”.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : https://www.facebook.com/bbcnews BBC Logo
معرف النشر: LIFE-160726-435

تم نسخ الرابط!
6 دقيقة و 6 ثانية قراءة