في جلسة مجلس الوزراء السعودي التي عقدت اليوم الثلاثاء في جدة برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، تم التأكيد رسمياً على اختيار الرياض لاستضافة النسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في سبتمبر المقبل. وتعكس هذه الاستضافة المكانة المتقدمة التي وصلت إليها المملكة في دعم الحوار العالمي متعدد الأطراف حول التقنيات الناشئة، وتجسد التزامها بتعزيز الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات لبناء مستقبل رقمي أكثر شمولاً واستدامة.
لم يكن هذا الإعلان بياناً بروتوكولياً فحسب، بل دلالة على مرحلة ناضجة في تعامل المملكة مع إحدى أصعب القضايا المعاصرة. فالمنتدى سيُعقد في العاصمة الرياض في الفترة من 14 إلى 17 سبتمبر 2026 تحت شعار “تحويل التعاون العالمي نحو حوكمة أخلاقية للذكاء الاصطناعي”، وينظمه شراكة بين منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE).
يُمثّل هذا المنتدى امتداداً لجهود بدأت في براغ ثم كرانج في سلوفينيا ثم بانكوك، حيث سعى المجتمع الدولي إلى ترجمة توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها 193 دولة في نوفمبر 2021، من مبادئ نظرية إلى سياسات وممارسات قابلة للتطبيق. وتركز نسخة الرياض على تحويل هذه المبادئ إلى أطر حوكمة فعلية، مع طرح مواضيع مثل الجاهزية المؤسسية، والمساءلة، والشمول، والتنوع اللغوي والثقافي، والاستدامة، وسلامة الأنظمة الذكية، ودور التعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة.
لا يَخْفى أنّ اختيار هذا العام لاستضافة المنتدى جاء بالتزامن مع إعلان المملكة “عام الذكاء الاصطناعي”. ومنذ تأسيسها، وضعت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي هذه التقنيات في صلب التحول الاقتصادي والاجتماعي ضمن رؤية 2030. وأصدرت الهيئة مبادئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي متوافقة مع المبادئ الأساسية لتوصية اليونسكو، وأنشأت المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض الذي نال صفة مركز من الفئة الثانية تحت رعاية اليونسكو، ليصبح منصة عالمية تسهم في صياغة السياسات والأبحاث التي تضع الإنسان في محور التطور التقني.
تحمل استضافة الرياض بعداً يجعلها أكثر من مجرد تنظيم حدث دولي؛ فهي ترجمة لانتقال المملكة من مستفيد للتقنيات إلى شريك فاعل في وضع أطرها الأخلاقية. ففي عالم تتسارع فيه قدرات الأنظمة الذكية وتتجاوز حدود السيطرة الفردية والدولية، يصبح الحوار متعدد الأطراف ضرورة حاسمة. فالذكاء الاصطناعي ليس أداة محايدة فحسب؛ بل يعيد تشكيل مفاهيم المعرفة والعمل والخصوصية والعدالة، ويثير تساؤلات بشأن من يقرر ومن يتحمل المسؤولية ومن يستفيد.
سيجمع المنتدى صانعي القرار والخبراء والأكاديميين وممثلي القطاعين العام والخاص والمنظمات الدولية لمناقشة كيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى آليات حوكمة قابلة للقياس والتطبيق. وستناقش جلساته بناء القدرات المؤسسية، ومتابعة تنفيذ توصية اليونسكو، والإشراف على الأنظمة الذكية، وعلاقة الذكاء الاصطناعي بالإدارة العامة والتعليم والصحة والبيئة، إضافة إلى قضايا المساواة بين الجنسين والإدماج والتنوع الثقافي، وهي ملفات تمس جوهر العقد الاجتماعي في العصر الرقمي.
تجتمع في رؤية المملكة مزيج من الطموح التقني والمسؤولية الأخلاقية؛ فقد اختارت السعودية ألا تظل مجرد مستهلك للتقنيات، بل أن تشارك في وضع قواعد اللعبة. وتعكس مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي أطلقتها سدايا والإطار التنظيمي المتكامل لحماية البيانات والحوكمة والشفافية هذا التوجه الواضح. كما يمنح وجود مركز دولي متخصص في الرياض تحت مظلة اليونسكو للمملكة موقعاً مميزاً إقليمياً ودولياً.
أهمية المنتدى تتجاوز ما سيُطرح على منابر النقاش، فهو فرصة للتأمل الجماعي في مستقبل العلاقات بين الإنسان والآلة. واستضافة الرياض لهذا الحوار العالمي ليست مجرد إنجاز دبلوماسي أو تقني، بل تعبير عن رؤية حضارية ترى في التقنية امتداداً للقيم لا بديلاً عنها.
وفي ظل أهداف رؤية 2030 لبناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، يؤكد هذا المنتدى أن الطموح السعودي لا يكتفي بلحاق الركب فحسب، بل يسعى إلى المساهمة في توجيه مسار التقدم بما يخدم الإنسان والمجتمع والبيئة. وعندما يجتمع العالم في منتصف سبتمبر المقبل في الرياض، لن تكون النقاشات محصورة بالخوارزميات والأنظمة فحسب، بل ستنطلق إلى جوهر ما يجعل التقدم الإنساني تقدمًا حقيقياً، وهنا تكمن قيمة الحدث ومكانة المملكة كمنصة عالمية للحوار المسؤول حول مستقبل التقنيات الناشئة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-110826-422

