تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على استراتيجية “الغضب الاقتصادي” لإرغام إيران على قبول المطالب الأمريكية في المفاوضات، بعد فشل الخيارات العسكرية في تحقيق أهداف مثل إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.
وبينما ترد تقارير عن نقص في الذخائر المطلوبة وتزايد الحذر من خوض حرب غير شعبية داخل الولايات المتحدة، عاد ترمب وكبار مسؤولي إدارته إلى نهج معروف في التعامل مع طهران، يعتمد على تشديد العقوبات تدريجياً وفرض حصار بحري لشل صادرات النفط، وفق بلومبرغ.
واعتبر ترمب، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تسيطر كلياً على مضيق هرمز، مشدداً على أنها “ستستمر في السيطرة عليه”.
ووصف ترمب، في منشور على منصته “تروث سوشيال”، الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأمريكية على إيران بأنه “جدار من فولاذ”، وزعم أن طهران عاجزة عن الرد.
وأضاف: “ليس لديهم أسطول بحري، ولا قوات جوية، وجنودهم المتبقون لا يتقاضون رواتبهم، والحرس الثوري مُرهق ويهرب، وقيادتهم غير مستقرة”. وتابع: “كل ما لديهم هو أخبار كاذبة وتضخم بنسبة 300%، والوضع يزداد سوءاً! إيران كلام دون فعل”.
ويمثل تجدد التركيز على إحكام الألم الاقتصادي على إيران، وهو ما أطلق عليه ترمب خلال ولايته الأولى اسم “حملة الضغط الأقصى”، انقلاباً ملحوظاً لإدارة كانت قبل أيام قليلة تهدد بالتصعيد العسكري بعد نحو ستة أشهر من الحرب.
ورغم أن هذا المسار لم يمنح ترمب النتيجة المرغوبة قبل عام 2020، إلا أن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أنه قد يأتي ثماره هذه المرة.
إيران تواجه أزمة اقتصادية داخلية متفاقمة، إذ يتجاوز معدل التضخم السنوي 80%، ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد الجمهورية بنسبة 5.4% هذا العام، مع تقديرات بفقدان بين 2 و3 ملايين وظيفة.
وقال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز لشبكة فوكس نيوز، الثلاثاء، إن “عملية الغضب الاقتصادي، التي يقودها وزير الخزانة سكوت بيسنت، تدمر الاقتصاد الإيراني”.
وأضاف أن إيران قادرة على “تحمل القصف”، لكنه رأى أن الإيرانيين صاروا “يخشون بيسنت أكثر من وزير الحرب بيت هيجسيث”.
وأدلى ترمب بتصريح مشابه لموقع أكسيوس، الأحد، مفيداً أنه يتعامل مع إيران بوتيرة أقل حدة، وأن الولايات المتحدة تراقب الوضع مع الأخذ بعين الاعتبار التضخم الكبير وندرة السيولة لدى طهران.
وكان بيسنت قد اتخذ لهجة مماثلة قبل أسابيع، وقال لفوكس نيوز إن “الحكومة الإيرانية تتسبب في معاناة شعبها، وسنستمر في الضغط”.
ومن جهته، أقر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان بالصعوبات الاقتصادية التي تعانيها البلاد، واصفاً هذه “الحرب” بأنها أكثر تعقيداً وصعوبة من الحروب السابقة، ومحملاً واشنطن مسؤولية دفع إيران نحو الانهيار الداخلي، وداعياً إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية.
ويرى محللون أن النظام الإيراني يقترب من “انهيار اقتصادي”، وأن قدرة طهران على الالتفاف حول العقوبات عبر وسيطين أو دول ثالثة تقلصت كثيراً.
وقال مياد مالكي، المسؤول السابق عن العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية، لبلومبرغ، إن الدول التي كانت تُستخدم سابقاً للالتفاف على العقوبات أصبحت أقل تساهلاً بكثير مع التعاملات والتمويل الإيراني غير المشروع.
وأضاف أن تراجع اعتماد الأسواق العالمية على صادرات إيران يجعل العقوبات الأمريكية الحالية أكثر تأثيراً.
في المقابل، يعتقد كثيرون أن العقوبات وحدها لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، إذ تفرض الولايات المتحدة مئات الإجراءات على طهران كما حدث مع عدد قليل من الدول الأخرى لعقود دون أن يترتب عليها تغيير سياسي ملموس.
والحال نفسه ينطبق على دول مثل كوريا الشمالية وكوبا، التي تُعاقب منذ عقود دون أن يحدث تحول جذري.
ومنذ بدء ترمب تشديد العقوبات في 2018، فرضت واشنطن نحو 2200 إجراء عقابي على طهران، بحسب جيريمي بانر من شركة هيوز هوبارد آند ريد، المتابع لقيود قطاعي النفط والبتروكيماويات الإيرانيين.
ومن بين تلك الإجراءات، فُرض نحو 350 إجراءً في إطار حملة بيسنت المسماة “الغضب الاقتصادي”.
إلا أن هذه الإجراءات لم تُجبر طهران حتى الآن على التراجع بشأن برنامجها النووي، أو مسألة مضيق هرمز، أو تقديم تنازلات كبيرة أخرى.
وقال ديفيد تانينباوم، مدير في شركة بلاكستون كومبلاينس سيرفيسز الاستشارية المتخصصة في العقوبات، لبلومبرغ، إن “النظام الإيراني متين”.
وأضاف أنه رغم أن العقوبات مهمة لأنها تحرم النظام من الموارد، فإنه لا يتوقع أن تؤدي إلى تغيير النظام أو إجباره على التخلي عن برنامجه النووي.
وفي تعليق على نهج ترمب المتجدد، قال مسؤول في البيت الأبيض لبلومبرغ إن العقوبات والحصار البحري جعلتا إيران مفلسة بصورة تامة، وأن لدى ترمب عدة أدوات ضغط يمكنه تسخيرها في الأشهر المقبلة.
ولا تزال الولايات المتحدة قادرة على زيادة صعوبة بيع إيران لنفطها أو إعادة عائداته إلى الداخل، لكن كل تصعيد إضافي في العقوبات يحمل تكاليف دبلوماسية أكبر، مع انخفاض اليقين بأن مزيداً من الضرر الاقتصادي سيؤدي بالضرورة إلى تنازلات سياسية.
أحد الخيارات لرفع مستوى الضغط هو استهداف الصين والهند، أكبر مشتريي النفط الإيراني، حيث تستحوذ الصين على أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية، وفق بلومبرغ.
ومن شأن فرض عقوبات على الجهات التي تسهل عمليات الشراء هذه أن يقلص مباشرةً عائدات طهران النفطية.
وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على بعض مصافي النفط الصينية المستقلة وعلى شركات أخرى منذ اندلاع التوتر مع إيران، لكنها تجنبت حتى الآن استهداف البنوك الصينية الكبرى التي تمول هذه التجارة.
وعلى الرغم من أن إجراءات ضد مؤسسات مالية صينية كبرى قد تقلص إيرادات نفط إيران، فإنها قد تفتح أيضاً جبهة خلافية جديدة مع بكين قبيل اجتماع مقرر في سبتمبر بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينج.
وقالت جيس هوفرسن، المسؤولة السابقة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، إنه “إذا اتجهنا إلى استراتيجية أكثر عدوانية، فلن تقتصر الاعتبارات على العلاقات الثنائية فحسب، بل ستصبح متعددة الأطراف”.
ومن الأهداف المحتملة أيضاً الشركات ومكاتب الصرافة التي تساعد إيران على إعادة الأموال إلى الداخل.
فبعد بيع النفط، لا تزال طهران بحاجة إلى مكاتب صرافة ووسطاء لتحويل عائدات غالبها باليوان الصيني إلى عملات يمكن استخدامها فعلياً داخل البلاد.
ولمواجهة الضغوط الاقتصادية، بدأت إيران بالفعل في إجراء انقطاعات متناوبة للكهرباء، وفرض قيود على المصانع، والسماح لبعض المنشآت بتحويل عملها إلى يوم الجمعة لتعويض تراجع الإنتاج.
كما اعتمدت الحكومة سعراً مدعوماً للصرف لتأمين واردات بقيمة تصل إلى 3.5 مليار دولار من سلع أساسية مثل القمح والأدوية وحليب الأطفال، مع إعطاء الأولوية للضروريات في استخدام احتياطيات الدولارات المحدودة.
وأتيح للأسر المستفيدة من برامج الرعاية الاجتماعية شراء السلع الأساسية بالدين ضمن برنامج جديد تُخصم أي مبالغ غير مسددة منه من المدفوعات النقدية المستقبلية. كما تخطط السلطات لتعديل قيمة قسائم الغذاء كل ثلاثة أشهر لمواكبة تضخم أسعار المواد الغذائية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 7
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-130826-882

