من أمام بيت نصيف، حيث تجمعت جماهير «خليجي 27» بأعلام وقمصان المنتخبات الثمانية، امتدت الحركة إلى شوارع وأزقة «البلد». وبين الرواشين والأسواق القديمة، لم يعد حضور المشجعين مشهدًا جماهيريًا فحسب، بل تحوّل إلى نشاط شراء داخل المحال والمطاعم والمقاهي.
سجلت مبيعات عدد من المحال التجارية في جدة التاريخية خلال «خليجي 27» ارتفاعًا تراوح بين 20 و50%، نتيجة زيادة إقبال الجماهير والفعاليات الثقافية والغنائية المصاحبة، بحسب بائعين وموظفين تحدثوا لصحيفة اقتصادية. وانتشرت آثار البطولة الاقتصادية من مدرجات مدينة الملك عبدالله الرياضية ومدينة الأمير عبدالله الفيصل، حيث تقام المباريات، إلى أحد أقدم المراكز التجارية في جدة. تستضيف جدة منافسات «خليجي 27» حتى 6 أكتوبر بمشاركة منتخبات السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعمان والعراق واليمن.
منح اختيار «البلد» كمنطقة لتجمع الجماهير البطولة امتدادًا اقتصاديًا خارج الملعب، إذ وجد المشجع نفسه في قلب وجهة تجمع السياحة والتاريخ والتجارة في مكان واحد. تتقارب في جدة التاريخية أسواق العلوي والندى والخاسكية وباب شريف، ما يوزع إنفاق الزائر على أنشطة متعددة بدلًا من تركزه في نشاط واحد.
في أزقة المنطقة تنتشر محال الذهب والفضة والعود والبخور والمشالح والهدايا والتحف التذكارية والمسابح والخواتم والأقمشة والعطارة والألعاب والملابس. وفي المقابل تستحوذ المقاهي والمطاعم الشعبية على جزء آخر من إنفاق الزوار.
يقول المشجع العماني سالم: “الأجواء في جدة التاريخية جميلة جداً وأجواء خليجية وفعلاً جدة تاريخية انبهرنا بالتاريخ الذي تحمله والمناطق الموجودة فيها”. وأضاف: “حرصت بعد الزيارة على شراء بعض الهدايا ومنها قمصان المنتخب السعودي لأبنائنا في عمان”.
بينما قال المشجع البحريني حمد: “هذه الزيارة الأولى، سمعت كثيرًا عن جدة التاريخية، نعيش أجواء البطولة رغم أيام الراحة للمباريات، حقيقة أجواء لا توصف وحضرت هنا خصيصًا لشراء بعض الهدايا للأهل في البحرين”.
يحوّل هذا التنوع حركة الجماهير إلى دورة اقتصادية مصغرة تبدأ من نقطة التجمع ثم تمتد إلى المعالم والأسواق قبل أن تتحول الجولة إلى مشتريات وإنفاق على الطعام والمقاهي.
تعكس قيمة الإيجارات في أسواق «البلد» أهمية الموقع التجاري، لا سيما في المناطق الأكثر كثافة بالزوار. يقول عبدالحميد محمد نور، أحد تجار المنطقة: “السوق حافظ على مكانته منذ سنوات طويلة مع تعدد الأنشطة التجارية فيه”، مشيرًا إلى أن إيجار المحل الواحد يبدأ من نحو 40 ألف ريال سنويًا وقد يصل إلى 100 ألف ريال بحسب الموقع والمساحة. وأضاف نور، الذي يختص بتجارة البخور والعود: “الكثافة العالية زادت من نسبة المبيعات في عديد من المحال، وهناك اهتمام كبير من مشجعي قطر والكويت وعمان والبحرين بشراء البخور والعود الأصلي الذي نتميز به”.
خلال «خليجي 27» حصلت هذه المحال على دفعة إضافية من حركة الجماهير، وأسهمت الفعاليات المصاحبة في إطالة مدة بقاء الزائر داخل المنطقة، ما عزز فرص تحول الحركة السياحية إلى إنفاق فعلي.
لم يكن اختيار المنطقة المحيطة ببيت نصيف لتجمع الجماهير عشوائيًا، فالمبنى الذي بدأ بناؤه عام 1872 ارتبط بتاريخ المدينة والدولة بعدما أقام فيه الملك عبدالعزيز عقب دخوله جدة عام 1925 واتخذه مقرًا خلال وجوده في المدينة. وتضم المنطقة بيوتًا تاريخية أخرى مثل بيت المتبولي وبيت الشربتلي، وتشتهر عمارتها بالرواشين الخشبية واستخدام مواد البناء التقليدية كالحجر المنقبي.
اتخذ المشهد أمام بيت نصيف خلال البطولة طابعًا مختلفًا؛ أعلام وقمصان وأهازيج خليجية، ثم جماهير تتوزع من نقطة التجمع نحو الممرات والمعالم والأسواق المحيطة. هنا يتحول المعلم التاريخي إلى نقطة انطلاق لمسار إنفاق يمتد داخل «البلد» بدلًا من أن تنتهي زيارة المشجع عند منطقة الفعاليات.
بين أزقة جدة التاريخية وأسواقها القديمة تمر الجماهير بمعالم أخرى مثل مسجد الشافعي ومسجد عثمان بن عفان، ما يوسع نطاق الجولة ويزيد الوقت الذي يقضيه الزائر في المنطقة. وتكتسب مدة بقاء المشجع أهمية للتجار؛ فكلما امتدت جولته بين المعالم والأسواق والمقاهي، اتسعت فرص الإنفاق على أكثر من نشاط.
تظهر إحدى فوائد استضافة الفعاليات الرياضية بالقرب من الوجهات السياحية والتجارية في أن قيمة الزائر لا تتوقف عند تذكرة المباراة، بل تمتد إلى سلسلة من المصروفات خارج الملعب. في «البلد» تتوزع هذه المصروفات بين التسوق والهدايا والمقاهي والمطاعم والمنتجات المرتبطة بالتراث المحلي.
يقول سالم أبو عبدالله، الذي يدير أحد محلات بيع التحف والهدايا التذكارية: “البطولة صنعت حدثًا كبيرًا في السوق وزادت نسبة المبيعات”. وأضاف: “يحرص المشجعون على شراء الهدايا التذكارية مثل بيوت الرواشين والهدايا التي عليها معالم مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى جانب بعض التحف الأخرى”. وزاد: “مشجعو البحرين والعراق وعمان من أكثر الزبائن شراء وحرصًا على اقتناء التحف”.
مع حلول المساء لا تنتهي رحلة المشجع بعد جولته بين الأسواق والمعالم، بل تبدأ مرحلة جديدة من الإنفاق في المطاعم المنتشرة داخل المنطقة ومحيطها. وتتوزع الخيارات بين مطاعم الأسماك والمطاعم التي تقدم الأكلات الشعبية مثل الفول والمطبق والمعصوب والكبدة والشاورما، لتأخذ بدورها حصة من الحركة التي خلقتها البطولة.
وبذلك لا تبقى رحلة المشجع محصورة في 90 دقيقة داخل الملعب، وإنما تمتد إلى ساعات من النشاط الاقتصادي خارجها.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : خالد دغريري ![]()
معرف النشر: ECON-290926-774

