أسلوب حياة

كم ينبغي أن ندفع مقابل طعامنا؟

A9024d51 5f71 41d1 bdda 73f6e4fb26fb file.jpg

كم ينبغي أن ندفع مقابل طعامنا؟

يقول جولز بال إنه لاحظ تغيراً في نظرة الاسكتلنديين إلى الطعام، ويرى أن الناس أصبحوا أكثر استعداداً لدفع مبالغ إضافية مقابل الحصول عليه.

وينضم المواطن الفرنسي، البالغ من العمر 34 عاماً، وهو شريك في ملكية شركة صغيرة لإنتاج الزبدة الحرفية في غلاسكو، إلى مجموعة من الأشخاص القلقين من التوجه نحو توفير أغذية أرخص سعراً كحل لأزمة غلاء المعيشة.

ويقول إن التركيز في موطنه ينصبّ بدرجة أكبر على الجودة، وإن الناس يولون اهتماماً كبيراً لمصدر المنتج ومذاقه.

ويبدو أن هذا الجدل يتعارض مع الدعوات الأخيرة إلى جعل أسعار بعض المواد الغذائية معقولة. فقد تعهد الحزب الوطني الاسكتلندي، في برنامجه الانتخابي الأخير لانتخابات هوليرود، بفرض سقف على أسعار “سلة من المواد الغذائية الأساسية”، بما في ذلك الخبز والحليب والبيض.

وواجهت تلك الوعود انتقادات من المزارعين ومنتجي الأغذية، إلا أن الحكومة الاسكتلندية قالت إن عليها “مسؤولية تتعلق بالصحة العامة” تتمثل في توفير نظام غذائي مغذٍ وبأسعار معقولة.

وُلد جولز بال في مدينة لا روشيل الفرنسية، على ساحل خليج بسكاي، وانتقل إلى اسكتلندا في سن الـ14.

وقد تلقى تعليمه على يد والده الذي كان يعمل طاهياً في مطاعم راقية، ولذلك “نشأ في المطبخ”.

أسس جول شركة “وي نوب أوف باتر” عام 2021 بالتعاون مع صديقه كيران وودز، وبدأت الشركة ببيع منتجهما مرة واحدة شهرياً في أحد الأسواق.

وتُورد الزبد الآن إلى مجموعة من المطاعم الاسكتلندية المرموقة، وتُباع عبر طلبات بريدية، كما تُقدَّم أيضاً على متن قطار “رويال سكوتسمان” الفاخر.

ويقول جول: “في فرنسا، نحب أن نأخذ وقتنا في تناول الطعام. كما نحب أن تربطنا علاقة قوية بطعامنا، فالجودة ليست بالضرورة ترفاً، بل هي ببساطة أمر نتوقع الحصول عليه كعائلة”.

ويضيف: “لكن اسكتلندا تشهد صعوداً لافتاً؛ فالناس باتوا يهتمون حقاً بمصدر طعامهم، وأصبحوا يخصصون المزيد من الوقت للتسوق في الأسواق المحلية لضمان الحصول على منتجات عالية الجودة”.

تغير حجم الأموال التي تخصصها الأسر من دخلها للغذاء بشكل كبير عبر السنين.

فوفقاً لمسح بعنوان “تكاليف المعيشة والغذاء”، الذي تجريه الحكومة البريطانية، انخفضت نسبة إجمالي الإنفاق المخصصة للغذاء إلى النصف خلال 60 عاماً حتى عام 2016، من 33 في المئة إلى 16 في المئة فقط.

ويرى الخبراء أن جزءاً من ذلك يعود إلى تحويل الزراعة إلى نشاط صناعي خفّض تكاليف الإنتاج، فضلاً عن استغلال متاجر الطعام قوتها الشرائية للحفاظ على انخفاض الأسعار.

لكن خبير شؤون الغذاء، بيتر غيلكريست، يقول إن كثيرين منا لا يعرفون كيفية إنتاج الغذاء.

ويقول: “في نهاية المطاف، أنت تشتري سلعاً معبأة. أنت لا تذهب إلى بائع الخضار لتسأله: ‘ما الطازج؟ وما المتاح في الموسم الحالي؟ وما أفضل منتجاتك؟’. ليس أمامك في الواقع سوى خيار واحد، وهو أن تدخل المتجر ومعك عربة التسوق، ثم تتسوق”.

ويعتقد غيلكريست أنه أثناء الأزمات، يتعين على الحكومات التدخل لضمان توفر الغذاء بأسعار معقولة، كما فعلت في الماضي، لكنه يشير إلى أن هذا التدخل يجب أن يتجاوز مجرد فرض سقف للأسعار.

ويضيف: “يمكننا السعي لإصلاح أنظمتنا الغذائية وضمان توفر معلمين لمادة الاقتصاد في المدارس، حتى يتعلم كل شاب كيفية الطهي باستخدام تلك السلع الغذائية، محددة الأسعار، ولنحظى بتعليم أفضل حول المحاصيل التي تنمو محلياً، والمنتجات الاسكتلندية عالية الجودة”.

على الرغم من أن متوسط الإنفاق على الغذاء يبلغ حوالي 16 في المئة من إجمالي ميزانيات الأسر، إلا أن ذوي الدخل المنخفض قد ينفقون نسبة أكبر بكثير على غذائهم.

وهذا يثير قلق البروفيسورة أليكس جونستون، وهي عالمة تغذية في معهد “رويت” بجامعة أبردين، إذ تشير إلى أن الأسعار قد ارتفعت بالفعل بنسبة 40 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية.

ووفقاً لحسابات أجرتها، فإن بعض الأشخاص سيحتاجون إلى إنفاق نحو نصف دخلهم المتاح على شراء الطعام، وهذه النسبة سترتفع لتصل إلى حوالي 85 في المئة بالنسبة للأسر التي لديها أطفال.

وأضافت جونستون: “يعني ذلك أن هذه الأسر تعاني من ‘انعدام الأمن الغذائي’؛ فهم يعيشون في ظل فقر غذائي، ولا يمتلكون القدرة المالية أو سبل الوصول إلى نظام غذائي صحي”.

كما أوضحت أنه إذا فُرض سقف للتكلفة، فينبغي أن يشمل مجموعة متنوعة من الأغذية الصحية والمستدامة بيئياً والمقبولة ثقافياً، بما في ذلك الوجبات الجاهزة الصحية، مراعاةً للأسر ذات الدخل المحدود التي غالباً ما تفتقر أيضاً إلى الوقت الكافي.

لطالما ساورت المزارعين مخاوف من الضغوط التي تتعرض لها هوامش أرباحهم، نتيجة المطالبات بتوفير أغذية بأسعار أرخص، والالتزام بمعايير صارمة لرفاهية الحيوان، وتعزيز الممارسات البيئية المسؤولة.

ويعاني قطاع تربية الخنازير على وجه الخصوص جراء تفشي حمى الخنازير الأفريقية في إسبانيا، وهو ما أثر بشدة على صادرات البلاد وأدى إلى تدفق فائض من لحوم الخنازير إلى الأسواق الأوروبية.

وهذا يعني أن مزارعي الخنازير الاسكتلنديين يخسرون ما يصل إلى 1000 جنيه إسترليني (1300 دولار أمريكي) مكان كل خنزيرة، بحسب اتحاد المزارعين الوطني في اسكتلندا.

ولطالما دعا الرئيس السابق للاتحاد الوطني للمزارعين في اسكتلندا، مارتن كينيدي، إلى رفع أسعار المواد الغذائية لجعل الأعمال الزراعية أكثر ربحية.

ويقول كينيدي: “إذا واصلنا الضغط على المنتجين الأوليين، فسيقولون ببساطة، لم نعد قادرين على الاستمرار في ذلك، وسنصبح معتمدين بشكل متزايد على الواردات”.

ويضيف، وهو يمارس الزراعة في بلدة أبيرفيلدي بمقاطعة بيرثشاير، أن هناك تركيزاً مفرطاً على توفير أغذية “رخيصة”، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الواردات المنتجة في ظل ظروف تُعد غير قانونية في اسكتلندا.

ويقول: “إذا كانت أولويتك الحقيقية تتمثل في الصحة وتوفير ما يكفي من الغذاء بأسعار معقولة، فيتعين لنا أن نركز فعلياً على الغذاء الجيد، الذي ننتجه هنا في جميع أنحاء المملكة المتحدة، والذي يُعرف، ولا سيما هنا في اسكتلندا، بجودته العالية”.

ويُعد معرض “رويال هايلاند” حدثاً بارزاً في التقويم الزراعي، إذ يمثل منصة لعرض الثروة الحيوانية والمنتجات الغذائية الاسكتلندية، ويضم قسماً يُعرف باسم “مخزن أطعمة اسكتلندا”، حيث تتناوب مناطق مختلفة على عرض وبيع الأغذية التي تنشأ فيها.

كان الدور هذا العام على مقاطعتي أبردين وأبردينشاير، حيث شاركت شركة “رورا ديري”، الواقعة بالقرب من بلدة ببيترهيد، في المعرض للمرة الأولى، إلى جانب العشرات من منتجي الأغذية الصغار الآخرين.

تُصنع الشركة الزبادي العضوي، الخالي من الإضافات، من الحليب الذي ينتجه قطيعها الخاص من الأبقار، والذي يُباع في بعض متاجر الأطعمة، بما في ذلك سينسبري وموريسونز.

تقول المالكة جين ماكي إن الطلب على منتجات الألبان العضوية يتزايد عاماً بعد عام، ولا سيما الحليب، وإن هذا النمو يحدث بوتيرة أسرع في إنجلترا مقارنةً باسكتلندا.

كما ترى أن بإمكان المستهلكين التفكير في تقليل وتيرة تناول منتجات مثل الزبادي، مع اختيار أصناف عالية الجودة، كالمنتجات العضوية، كمكافأة لأنفسهم عند تناولها.

وتضيف: “نحن لا نُعَلِّم الناس بما يكفي ليدركوا أنه بإمكانهم إطعام أطفالهم بطريقة مختلفة”.

وتقول إن إطعامهم قطع دجاج “ماك ناغتس” أقل تكلفة بكثير من طهي الطعام في المنزل، وتعتقد أن هذه مشكلة حقيقية.

وتضيف: “أعتقد أنه يتعين علينا أن ندرك أنه من المهم لمجتمعنا وللصحة على المدى الطويل، حتى نعلم أن إنفاق مبلغ إضافي بسيط على الطعام يُعد أمراً جيداً”.

في عام 2022، أقرت الحكومة الاسكتلندية تشريعاً يُعرف باسم “قانون أمة الغذاء الجيد في اسكتلندا”، والذي يهدف إلى ضمان أن يتناول الناس طعاماً جيداً، وأن يحظوا بفرص موثوقة وكريمة للحصول على أغذية مغذية وميسورة التكلفة وممتعة ومناسبة لأعمارهم.

ووصف بعض تجار التجزئة التزام الحزب الوطني الاسكتلندي، الوارد في برنامجه الانتخابي، بوضع سقف لأسعار بعض المواد الغذائية بأنه “حيلة سخيفة”.

لكن الوزير الأول جون سويني شدد على أن عجز بعض الأشخاص عن تحمل تكاليف توفير غذاء ملائم لأنفسهم يُعد “فضيحة أخلاقية”.

وصرح لـبي بي سي “اسكتلندا نيوز” قائلاً: “أنا أقدر وأحترم جودة المنتجات الزراعية الاسكتلندية، لكن علي أيضاً أن أضع في الاعتبار المصاعب الحقيقية التي تواجهها الأسر في توفير مشتريات بأسعار معقولة”.

وقال سويني إن ذلك هو السبب الذي دفع حكومته إلى طرح تشريع لفرض سقف للأسعار.

ويواجه المزارعون مطالب متزايدة لتلبية احتياجات الطبيعة والبيئة، بالإضافة إلى احتياجات المستهلكين.

وتساور منتجي الأغذية مخاوف حقيقية من أننا بصدد “سباق نحو القاع”، يخشون أن يؤدي إلى تدفق واردات رخيصة تخرجهم من المنافسة في السوق.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : https://www.facebook.com/bbcnews BBC Logo
معرف النشر: LIFE-290626-897

تم نسخ الرابط!
6 دقيقة و 8 ثانية قراءة