«دعم عائلي» يورط المرسل في نزاعات مالية وشبهات غسل أموال
من يقوم بتحويل مبلغ مالي إلى صديقه على سبيل القرض فيختار من قائمة أغراض التحويل في تطبيق البنك وصف «دعم عائلي» لتسهيل الأمر، إلى شخص يسدد قيمة سيارة اشتراها من طرف لا يجمعه به قرابة فيختار الوصف ذاته، وصولاً إلى من يحوّل أموالاً مقابل معاملة تجارية قبل أن يصبح المستفيد طرفاً في قضية غسل أموال أو تهريب مخدرات؛ يجد المرسل نفسه مضطرّاً لتفسير طبيعة العلاقة والسبب الحقيقي للتحويل، خاصة إذا كانت البيانات المسجلة تشير إلى «دعم أسري» لا تتوافق مع حقيقة المعاملة.
المفارقة تكمن في أن اختيار غرض التحويل البنكي، الذي يعتبره بعض مستخدمي التطبيقات المصرفية خطوة شكلية لا تستغرق سوى ثوانٍ، قد يكتسب أهمية قانونية عند نشوء نزاع لاسترداد المبالغ أو عند مراجعة معاملات مالية مرتبطة بأشخاص قيد التحقيق. فالوصف الذي اختاره المرسل لتسهيل العملية قد لا يعكس طبيعة الأموال أو علاقة الطرفين، ما يستدعي توضيح هذا التباين وتقديم ما يثبت السبب الفعلي للتحويل.
وحذّر قانونيون وخبير مصرفي من استعمال أغراض لا تتطابق مع حقيقة التحويلات المالية، لا سيما خيار «دعم عائلي» عند إرسال مبالغ إلى أصدقاء أو أفراد ليس بينهم صلة قرابة، أو عند سداد ديون أو شراء سلع وخدمات. وأكدوا أن هذه البيانات قد تؤثر في إثبات الحقوق المالية أمام القضاء وتثير استفسارات مصرفية إذا اقترنت بمؤشرات تدعو للتحقق من طبيعة المعاملة، مع الإشارة إلى أن اختيار وصف غير صحيح بحد ذاته لا يشكل جريمة غسل أموال أو دليلاً على تورط المرسل في نشاط غير مشروع.
عناصر الإثبات
أوضحت المحامية والمستشارة القانونية الدكتورة أساور خميس المنصوري أن اختيار غرض لا يتطابق مع حقيقة التحويل قد يترتب عليه آثار قانونية، خصوصاً عند نشوء نزاع قضائي حول طبيعة المبالغ وسبب تحويلها. ولفتت إلى أن بعض المتعاملين يختارون «الدعم العائلي» بدافع السهولة، رغم أن الأموال موجهة لصديق أو لشخص آخر على سبيل القرض أو لسداد التزامات مالية.
وأكدت المنصوري أن أهمية الغرض المسجل تظهر عندما يطالب المرسل باسترداد مبلغ سبق تحويله مدعياً أنه قرض واجب السداد، بينما تشير البيانات المصاحبة إلى «دعم عائلي». وأشارت إلى أن التحويل البنكي يثبت انتقال الأموال من حساب لآخر لكنه لا يكفي دائماً لإثبات السبب القانوني لانتقالها، سواء كان قرضاً أم هبة أم وفاء بدين.
كما بينت أن الوصف الذي يحدده المرسل قد يُستخدم كأحد عناصر الإثبات في الدعوى، لكنه لا يشكل دليلاً قاطعاً على حقيقة التصرف المالي، إذ تخضع دلالته لتقدير المحكمة في ضوء المستندات والمراسلات وسائر الأدلة، ما قد يؤثر في قدرة صاحب التحويل على إثبات حقوقه والمطالبة باسترداد أمواله.
وأضافت أن الآثار القانونية لاختيار غرض غير صحيح قد تتعدى المنازعات المالية، إذ إن عدم تطابق البيانات المسجلة مع حقيقة المعاملة قد يثير الشبهات لدى المؤسسات المصرفية، خاصة إذا رافقها تحويلات متكررة أو غير اعتيادية أو مؤشرات تستلزم التحقق من مصدر الأموال والغرض الحقيقي من التحويل.
وأوضحت أن التشريعات الإماراتية لمكافحة غسل الأموال تلزم المؤسسات المالية باتخاذ إجراءات العناية الواجبة ومراقبة المعاملات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة وفق الضوابط القانونية، مؤكدة أن مجرد اختيار وصف غير صحيح لا يشكل بذاته جريمة غسل أموال، لكن المسؤولية الجنائية قد تنشأ إذا ارتبط ذلك بسلوك مجرّم وتوافرت أركان الجريمة القانونية، بما في ذلك العلم بالمصدر غير المشروع للأموال وارتكاب أفعال جرمية منصوص عليها في القانون.
وشددت المنصوري على ضرورة التمييز بين الاشتباه في المعاملة وإثبات ارتكاب جريمة، مبينة أن مجرد وجود شبهة لا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية، وإنما يتطلب الأمر التحقق من حقيقة المعاملة والظروف المحيطة والأدلة المتوافرة.
تعزيز شفافية المعاملات
من جهته، أكد المستشار الدكتور عبدالله الحربي أهمية الدقة في تحديد أغراض التحويلات البنكية، وعدم اختيار «دعم عائلي» لمجرد أنه الخيار الأسهل أو الأسرع عندما يكون المبلغ موجهاً لصديق أو لشخص لا تربطه بالمرسل قرابة، أو عندما تكون المعاملة مالية وليست دعماً عائلياً، مشدداً على أن بيانات التحويل يجب أن تعكس حقيقته وسببها الفعلي.
وأشار إلى أن اختيار غرض غير صحيح لا يعني بالضرورة وجود نشاط غير مشروع، لكنه قد يستدعي توضيحات في حالات معينة، مؤكداً أن الدقة في البيانات تساعد على تجنب الالتباس وتمكن الجهات المختصة من فهم طبيعة التحويلات والتمييز بينها بدقة أكبر. ودعا الحربي المتعامل إلى التوقف لثوانٍ قبل إتمام التحويل وطرح أسئلة بسيطة: لمن أحول المبلغ؟ ولماذا؟ وهل الغرض الذي اخترته يعكس حقيقة المعاملة؟، لأن اختيار الوصف الصحيح يسهل تفسير المعاملة لاحقاً إذا دعت الحاجة.
وشدد على أن الدقة في تحديد الغرض ليست إجراء شكلياً فحسب، بل تساهم في حفظ الحقوق المالية وتعزيز شفافية المعاملات، داعياً المتعاملين إلى الاحتفاظ بالمستندات والمراسلات التي توضح الأسباب الحقيقية لتحويل الأموال، وخصوصاً في المعاملات المتعلقة بالقروض الشخصية والديون وشراء السلع والخدمات، لتيسير الرجوع إليها وتوضيح طبيعة المعاملة عند الحاجة.
ولفت إلى أن بضع ثوانٍ يخصصها المتعامل لاختيار الغرض الصحيح تساعد على تجنب الالتباس عند مراجعة التحويل لاحقاً، مؤكداً أن الالتزام بالدقة والشفافية في التعاملات المالية مسؤولية فردية تساهم في حماية الحقوق وسلامة التعاملات المصرفية.
تبعات قانونية
وأوضح المستشار المالي والخبير المصرفي أمجد نصر أن غرض التحويل ليس إجراءً شكلياً لإتمام العملية فحسب، بل قد يكون ذا أهمية في إطار متطلبات الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، محذراً من استخدام خيارات عامة مثل «الدعم العائلي» لمجرد سهولة الوصول إليها أو لتجاوز خطوات تحديد الغرض الحقيقي.
وقال إن تقديم معلومات غير دقيقة قد يؤدي إلى استفسارات من المصارف أو إلى تبعات قانونية، خاصة إذا ارتبطت المعاملة بأشخاص أو جهات قيد التحقيق أو خاضعة لقيود قانونية. لذا فإن الدقة في تحديد الغرض جزء مهم من سلامة التعاملات المالية.
وضرب نصر أمثلة توضيحية: إذا حوّل شخص مبلغاً لأحد أفراد أسرته لتغطية مصروفاته المعيشية فإن اختيار «الدعم العائلي» يكون مناسباً، أما إذا كان التحويل مقابل شراء سيارة أو سداد قرض أو دفع إيجار أو تسوية فاتورة تجارية أو تقديم قرض شخصي فينبغي اختيار غرض يتطابق مع طبيعة المعاملة متى ما توافرت الخيارات المصرفية الملائمة.
وأشار إلى أن التحويل لسداد الرسوم الدراسية يختلف عن تحويل لتغطية كلفة العلاج، كما يختلف المبلغ المدفوع مقابل خدمة مهنية عن أموال محولة بوصفها هبة أو تبرعاً، مؤكداً أن اختيار الغرض الأقرب أو الأسهل لا ينبغي أن يحل محل التأكد من دقة البيانات المسجلة.
وأضاف أن البنوك وشركات الصرافة توفر قوائم رئيسية وفرعية تتيح للمتعاملين تحديد أغراض التحويل بصورة أدق، مقترحاً إضافة خانة اختيارية لكتابة الغرض بعبارات واضحة عندما لا تتطابق الخيارات المتاحة تماماً مع طبيعة المعاملة، بما يساعد على توضيح سبب انتقال الأموال بين الحسابات.
وختم نصر بالتأكيد على أن الشفافية والدقة في تحديد أغراض التحويلات تحمي المتعاملين، وتعزز سلامة المعاملات المالية، وتدعم جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : سمية الحمادي – المنطقة الشرقية
معرف النشر: AE-261026-456

