أظهرت دراسة جديدة أن مرض ألزهايمر لا يرتبط فقط بالتغيرات المعروفة في بروتينات الدماغ، بل قد يمتد أيضاً إلى الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل خلايا دماغية معينة، في اكتشاف يفتح مسارات جديدة لفهم المرض والعلاجات المحتملة له.
طيّ الجينوم
كشف باحثون من كلية علوم الحاسوب بجامعة كارنيجي ميلون، وكلية الطب بجامعة بيتسبرغ، وجامعة واشنطن، أن التنظيم ثلاثي الأبعاد للجينوم يختلف في خلايا دماغية لدى المصابين بألزهايمر، وربطوا هذه التغيرات في طي الجينوم بتحولات في نشاط الجينات وتنظيم أنسجة الدماغ، باستخدام مزيج من تحليل الخلية الواحدة والخرائط المكانية لأنسجة الدماغ ونموذج جديد للتعلم العميق، وفقاً لما نشره موقع Science Daily.
بنية غير مرئية
لا يوجد الحمض النووي داخل الخلية في صورة شريط مستقيم، بل ينطوي في بنية ثلاثية الأبعاد تساعد على تحديد الجينات المتاحة والنشطة، ما يعني أن أي تغير في هذا التنظيم المادي يمكن أن يؤثر في طريقة عمل الخلايا.
وفحص الباحثون عينات أُخذت بعد الوفاة من قشرة الفص الجبهي، وهي منطقة تقع في مقدمة الدماغ، لأشخاص مصابين بألزهايمر وآخرين غير مصابين به، كانوا قد شاركوا في دراسة طويلة الأمد حول الخرف وتبرعوا بأدمغتهم لأغراض البحث العلمي.
قياس داخل الخلية
اعتمد الفريق على تقنية “GAGE-seq”، التي تتيح قياس التعبير الجيني والتفاعلات الجينومية ثلاثية الأبعاد داخل الخلية الواحدة، ثم دمج هذه القياسات مع خرائط النسخ الجيني المكانية التي تحافظ على معلومات حول مكان حدوث النشاط الجيني داخل أنسجة الدماغ السليمة.
وأتاح هذا الدمج للباحثين الربط بين التنظيم المادي للجينوم وتنظيم الجينات، مع تحديد أماكن ظهور التغيرات الجزيئية والخلوية المرتبطة بألزهايمر داخل الأنسجة المحيطة.
طبقة تنظيمية
في توضيح علمي، قال جيان ما، أستاذ البيولوجيا الحاسوبية وقائد الدراسة، إن فهم ألزهايمر لا يمكن أن يقتصر على دراسة جانب واحد، مؤكدًا أن البنية ثلاثية الأبعاد للجينوم تمثل طبقة تنظيمية تساعد في الربط بين تسلسل الحمض النووي ونشاط الجينات.
وأضاف أن دمج معلومات طي الجينوم مع حالة الخلية وسياق الأنسجة يتيح الانتقال من مجرد حصر التغيرات المرتبطة بالمرض إلى فهم كيفية ترابطها، وتحديد الآليات التي يمكن اختبارها في الدراسات المقبلة.
خلل في التنظيم
في الوقت نفسه، حدد الباحثون اختلافات ثابتة في بنية الجينوم داخل خلايا مأخوذة من أشخاص مصابين بألزهايمر. ففي الوضع الطبيعي، تُنظم أجزاء كبيرة من الجينوم في مناطق نشطة وأخرى غير نشطة ومتميزة نسبياً، تُعرف باسم “الحجيرات”.
لكن في خلايا مرضى ألزهايمر، بدت الحدود بين هذه المناطق أقل وضوحاً، وهي ظاهرة وصفها الباحثون بأنها “زيادة في تداخل الحجيرات”.
كما أظهرت عدة أنواع من خلايا الدماغ تفاعلات أقل بين أجزاء الجينوم المتقاربة، مقابل زيادة نقاط الاتصال بين المناطق المتباعدة. وكانت الخلايا التي شهدت تداخلاً أكبر بين الحجيرات تميل إلى تسجيل مستويات إجمالية أقل من نشاط الجينات.
نقاط اتصال متغيرة
في المقابل، رصد الفريق أيضاً تفاعلات أضعف بين الجينات والعناصر التنظيمية المجاورة لها، وهي عناصر تساعد عادةً في التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، بينما أصبحت بعض نقاط الاتصال التي تمتد عبر مسافات متوسطة أقوى مقارنة بالحالة الطبيعية.
وارتبطت هذه الاختلافات الهيكلية بانخفاض نشاط البرامج الحيوية المتعلقة بالخلايا العصبية ونقاط الاشتباك العصبي، إلى جانب تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي واستجابات الإجهاد الخلوي.
شيخوخة الخلايا
وجد الباحثون كذلك روابط بين هذه التغيرات وبرامج مرتبطة بالشيخوخة الخلوية في الخلايا الدبقية الصغيرة، وهي خلايا مناعية في الدماغ تؤدي أدواراً مهمة في الحفاظ على صحة الدماغ والاستجابة للأضرار.
وقال هانسرودي ماثيس، الأستاذ المساعد في علم الأحياء العصبي بجامعة بيتسبرغ، إن الدراسة تمثل تقدماً في فهم الخلل الذي يحدث في ألزهايمر، مشيراً إلى أن السمات المعروفة للمرض تشمل تراكم لويحات “أميلويد-بيتا” وتشابكات بروتين “تاو”، لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن التغيرات في بنية الكروماتين، وهي مستوى أعلى من التنظيم، تدخل أيضاً ضمن الآلية المرضية الجزيئية المرتبطة بالمرض.
الذكاء الاصطناعي
من جهة أخرى، عمد الباحثون إلى استخدام نموذج “Hicformer”، وهو نموذج للذكاء الاصطناعي طور لدراسة تأثير بنية الجينوم في سلوك الخلية. ويجمع النموذج بين معلومات تسلسل الحمض النووي والأنماط العامة لطي الجينوم، إلى جانب خرائط توضح أماكن التلامس المادي بين أجزاء مختلفة من الحمض النووي.
ومن خلال هذه البيانات، يتنبأ “Hicformer” بمستوى نشاط الجينات في أنواع مختلفة من الخلايا. ووصفت شينيو لو، طالبة الدكتوراه في البيولوجيا الحاسوبية والمشاركة في البحث، النموذج بأنه منصة اختبار حاسوبية يمكن استخدامها لاستكشاف كيفية تأثير التغيرات في طي الجينوم على نشاط الجينات.
مسار للعلاج
وقال يانغ تشانغ، عالم المشروع في قسم البيولوجيا الحاسوبية وأحد المشاركين في قيادة البحث، إن قياس نشاط الجينات وطي الجينوم داخل الخلية نفسها يتيح الربط المباشر بين بنية الكروموسوم والبرامج الجينية المرتبطة بالمرض.
وأضاف أن تحليل عدة أنواع من خلايا الدماغ كشف نمطاً ثابتاً لإعادة تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد لدى مرضى ألزهايمر، وساعد الباحثين في تحديد المناطق التنظيمية التي تستحق الدراسة مستقبلاً لفهم الآليات الحيوية والخيارات العلاجية.
وعندما رسم الباحثون خرائط لهذه التغيرات الجزيئية عبر أنسجة دماغية سليمة، وجدوا أن إعادة تنظيم الجينوم ترتبط بتغير نشاط الجينات وباختلافات في كيفية ترتيب خلايا الدماغ داخل النسيج.
كما عززت هذه النتائج فكرة أن التنظيم ثلاثي الأبعاد للجينوم يمثل طبقة مهمة في بيولوجيا ألزهايمر، كذلك توفر إطاراً لاختبار ما إذا كانت بعض التغيرات في بنية الجينوم تسهم بشكل مباشر في تطور المرض.
في ضوء ذلك، تتيح هذه النتائج للدراسات المقبلة بحث ما إذا كانت تغيرات هيكلية محددة تدفع تطور ألزهايمر، وما إذا كانت المناطق التنظيمية المتأثرة يمكن أن تتحول إلى أهداف لعلاجات جديدة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-200926-473

